هل تكفي السياسة النقدية لإنقاذ الاقتصاد العالمي؟

يعيش العالم الآن فترة ما بعد الأزمة المالية العالمية، التي فاجأت العالم في الربع الأخير من عام 2008. وقد اتخذت الحكومات الغربية آنذاك العديد من الإجراءات العاجلة لإنقاذ العالم من خطر انهيار النظام المالي. فاعتمدت الحكومة الأمريكية، وكذا العديد من حكومات أُوروبا، حزمات مالية متنوعة للتدخل السريع لحماية المؤسسات المالية. وقد نجحت هذه الإجراءات في وقف عمليات الاستنزاف التي تعرضت لها الأسواق المالية. ورغم تراجع مخاطر انهيار المؤسسات المالية واستعادتها لكثير من عناصر التوازن، فإن أداء الاقتصاد الحقيقي ما زال هشاً في معظم الدول الغربية، فانخفضت معدلات النمو الاقتصادي كما تزايدت معدلات البطالة بها، في نفس الوقت الذي استعادت بعض الاقتصاديات البازغة مثل الصين والهند حيويتها بسرعة. ورغم ذلك فما زال الاقتصاد الغربي ـ خاصة في الولايات المتحدة وأُوروبا ـ يعيش فترة كساد وانكماش، وبلغ حجم البطالة في الولايات المتحدة معدلات مرتفعة تقترب من 10%، مما أثار موجة من الاستياء الشعبي على الحكومة، الأمر الذي انعكس على انتخابات التجديد التشريعي في الكونجرس الأمريكي. ومع نجاح الحزب الجمهوري، وبروز جناحه المتشدد الأكثر تطرفاً ـ والمتمثل فيما يعرف بحزب حفلة الشاي ـ والذي يعارض أي زيادة في الإنفاق الحكومي أو توسع في دور الحكومة في الحياة الاقتصادية، فإن الخيارات المتاحة أمام إدارة أوباما لم تعد رحبة.

وفي هذا المناخ العام من السخط الشعبي، وفوز الجمهوريين في الانتخابات، فإن حرية الحركة أمام الحكومة الأمريكية تبقى مقيدة ومحدودة، ولم يعد أمامها ـ فيما يبدو ـ إلا الاعتماد على السياسة النقدية التي يضعها وينفذها بنك الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي) ، وهي سياسة تتراوح بين تخفيض أسعار الفائدة وبين ضخ كميات جديدة من النقود في الأسواق من خلال البنك المركزي.

والسؤال هل تكفي هذه السياسة النقدية وحدها لإعادة تنشيط الاقتصاد العالمي؟ وهو سؤال جديد / قديم، سبق أن واجهه العالم قبل ثمانين عاماً في أثر أزمة الثلاثينات من القرن الماضي، وكان من نتائجها ظهور الاقتصادي الانجليزي كينز، الذي أكد أن “السياسة النقدية” وحدها غير كافية. وجاءت حكومة روزفيلت في أمريكا في ذلك الوقت وأخذت بسياسة فعالة للإنفاق الحكومي فيما عرف آنذاك “بالسياسة الجديدة” New Deal، بحيث جاءت تطبيقا بشكل عفوي ـ  غير مقصود ـ لآراء كينز والتي نشرها في ذلك الوقت. وقد أدت تلك السياسة في الإنفاق إلى إعادة الانتعاش إلى الاقتصاد الأمريكي ومن ورائه الاقتصاد العالمي، وإن كان العالم لم يستعد مستوى النشاط السابق على قيام الأزمة المالية، إلا بعد قيام الحرب العالمية وما تطلبته من توسع كبيير في الإنفاق العسكري في ذلك الوقت.

وفي ظل هذا المناخ السياسي الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية ومع صعوبة التوسع في دور الدولة الاقتصادي، فإنه لم يعد أمام الإدارة الأمريكية إلا الاعتماد على أدوات السياسة النقدية. ويبدو أن الخطة التي يتبناها بنك الاحتياط الفدرالي، وهي ما يطلق عليها خطة “التيسير الكمي” Quantitative Easing ، هي أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه الظروف من أجل تحفيز وتنشيط الاقتصاد الأمريكي. فبعد أن خفض البنك المركزي الأمريكي أسعار فائدته إلى ما يقرب من الصفر لم يعد أمامه من سبيل إلا طرح كميات جديدة من النقود في الأسواق. وهذا هو جوهر خطة “التيسير الكمي”. فكيف يتم ضخ الأموال في الأسواق؟

سيتم ذلك عن طريق برنامج للبنك المركزي الأمريكي بشراء سندات الخزانة الأمريكية متوسطة الأجل ـ لمدة خمس أو ست سنوات ـ من حائزيها في الأسواق المالية المختلفة، وبذلك يضخ البنك أموالاً جديدة في الأسواق. ومعنى ذلك أن عجز الميزانية الأمريكية والذي كان يمول ـ في أغلبه ـ عن طريق الأسواق المالية سوف يمول الآن مباشرة من البنك المركزي الأمريكي. ولكن ما هو الفارق بين الأمرين؟ الفارق كبيير. كيف؟

عندما تواجه الحكومات عجزاً في الميزانية، فإنها تطرح أذون خزانة (قصيرة الأجل) أو سندات حكومية (متوسطة وطويلة الأجل) في الأسواق المالية، وتستخدم حصيلة البيع لتمويل عجز الميزانية. ولكن الأمر يختلف فيما إذا كان مشتري هذه الأذون والسندات هم المستثمرين في الأسواق المالية وخاصة المؤسسات المالية (بنوك، صناديق ادخار، شركات تأمين…)، أم كان المشتري هو البنك المركزي. فإذا كان المشتري هو من المتعاملين في الأسواق المالية، فمعنى ذلك أن هؤلاء المشترين يستخدمون جزأً من مدخراتهم للتوظيف في أذون وسندات الحكومة. وهكذا فعملية شراء هذه الأوراق المالية الحكومية من الأسواق المالية تعني تمويل عجز الميزانية، من مدخرات حقيقية في الاقتصاد العالمي. فهنا نجد عجزاً في الميزانية أي نوعاً من الادخار السلبي في مالية الحكومة الأمريكية، ولكن هذا العجز يمول بجزء من مدخرات حقيقية للأفراد والمؤسسات المالية في أمريكا أو الخارج. فالحكومة قد تنفق أكثر من إيراداتها،ولكن المشترين لهذه الأوراق الحكومية يمولون هذه العملية من مدخراتهم الحقيقية، وبالتالي تقل الأموال المتاحة لهم للإنفاق في غير هذا المجال. أما في حالة قيام البنك المركزي بشراء أذون وسندات الخزانة، فإن البنك المركزي يمول هذه العملية بما يصدره من نقود جديدة. والبنك المركزي ليس لديه مدخرات سابقة، وإنما لديه مطبعة أو ما يشابهها، وهو قادر ـ عن طريقها ـ على زيادة المعروض من النقود. فالحصيلة النهائية لتدخل البنك المركزي هي زيادة عرض النقود المتداولة. من هنا يمكن أن تكون لهذا الأسلوب آثار تضخمية في المستقبل. وكثيراً ما يقال أن تمويل عجز الحكومة عن طريق الأسواق المالية يعني مزاحمة الحكومة للمستثمرين في الحصول على مدخرات الأفراد والمؤسسات، وهو أمر غير وارد على أي الأحوال في ظروف الكساد الذي يتراخى فيه النشاط الاقتصادي الخاص. ولذلك يأتي العجز المالي الحكومي وزيادة الإنفاق لتعويض النقص في الطلب الخاص في أوقات الكساد.

كذلك يلاحظ أن الاستثمار في أذون وسندات الحكومة الأمريكية لا يقتصر على المستثمرين من الأمريكيين وحدهم، بل الجزء الأكبر من حاملي هذه الأوراق المالية هم الحكومات والهيئات الأجنبية، وخاصة من دول الفائض سواء في اليابان أو الصين أو ألمانيا أو الدول النفطية. ومن هنا كثيراً ما يقال أن نقص المدخرات الأمريكية كان يعوض عن طريق فائض المدخرات في دول الفائض الأجنبية. والجديد هو أن الخطة المقترحة تؤدي إلى تمويل جزء من العجز الأمريكي بمزيد من النقود الأمريكية الجديدة المطروحة للتداول، وليس بمدخرات حقيقية، الأمر الذي قد ينعكس على قيمة العملة الأمريكية نفسها.

والآن، فإن خطة البنك المركزي الأمريكي هي شراء ما يقرب من 600 بليون دولار ـ من سندات الخزانة الأمريكية ـ من حائزيها، وبالتالي ضخ مقابلا لها من الدولارات الجديدة في الأسواق. ورغم أن مسئولي البنك المركزي الأمريكي يؤكدون أن التركيز سوف يكون على الشراء من داخل السوق الأمريكية وليس من الحائزين لهذه الأوراق في الخارج، فنظراً لأن معظم هذه الأوراق هي في يد الحائزين من الأجانب من دول الفائض، فمن غير الطبيعي أن ينحصر أثر هذه العمليات على السوق المحلية الأمريكية. وهكذا تنطوي الخطة الأمريكية ـ في جوهرها ـ على ضخ دولارات جديدة في الأسواق المالية العالمية وليس من المستبعد أن توظف هذه الأموال الجديدة في الأسواق وبما يهدد بظهور فقاعة مالية جديدة. وقد بدأت بعض الدوائر في دول الفائض في ألمانيا والصين والبرازيل وغيرها في التعبير عن بعض مظاهر القلق على مستقبل التضخم في العالم وربما على أسعار الدولار في المستقبل، وبما قد يعني أن “حرب العُملات” قد بدأت.

وبطبيعة الأحوال، فإن هذه المخاوف لم تغب عن واضعي السياسة الأمريكية، ولكنهم يعتقدون أنه، في الظروف الحالية وحيث يغلب الكساد، فإن مخاطر التضخم تبدو مستبعدة، وأنه قبل ظهور أية مظاهر تضخمية، فإن الاقتصاد العالمي ـوخاصة الأمريكي ـ سيبدأ مرحلة التعافي وارتفاع معدلات النمو وتراجع البطالة. وحينذاك ـ فقط ـ يمكن وضع خطط جديدة لامتصاص الزيادة في السيولة والتي طرحت في الأسواق من خلال هذا البرنامج والعودة إلى الأوضاع الطبيعية، وذلك بإعادة طرح سندات الخزانة الأمريكية على الأسواق المالية.

وبصرف النظر عن مخاطر التضخم، فهل من المتوقع أن تنجح هذه السياسة الجديدة في إنعاش الاقتصاد العالمي مع مزيد من ضخ السيولة واستمرار أسعار الفائدة المنخفضة؟ هذا هو السؤال.

وهو سؤال سبق أن واجهه العالم خلال الأزمة المالية العالمية في الثلاثينيات من القرن الماضي. وجاء كينز مؤكداً أن ضخ السيولة ـ وحده ـ في الاقتصاد أو انخفاض أسعار الفائدة بشكل كبير، كل هذا غير كاف لاستعادة النشاط الاقتصادي، ما لم يصاحب ذلك استعادة الثقة والتفاؤل بالمستقبل. فالمطلوب هو استعادة الثقة وليس مجرد زيادة السيولة أو انخفاض أسعار الفائدة. فالسيولة الزائدة لا تتحول ـ بالضرورة ـ إلى استثمارات، وإنما قد تختفي فيما أطلق عليه “مصيدة السيولة”. وكانت هذه هي المشكلة التي حاول كينز أن يجد لها مخرجاً، حيث جاءت إجابته واضحة، وهي أن السياسة النقدية وحدها غير كافية ولا بد أن تستكمل بسياسة مالية يقظة وفعالة. فهل نحن بحاجة إلى كينز جديد؟ ربما. والله أعلم.

الأهرام : 14 نوفمبر 2010

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *