هل فشلت حكومة شرف؟

المفارقة بين شكل مصر قبل 25 يناير وبين مصر الآن، هي المفارقة بين شعب تخلى – أو كاد – عن اهتمامه بالشأن العام يأساً من إمكان الإصلاح، وبين شعب استعاد ثقته في نفسه وفي مستقبله، وبالتالي أخذ الأمور بين يديه. وتبدو المقابلة كما لو كانت مقارنة بين الموت والحياة. فالحياة السياسية كادت تصبح في مصر جثة هامدة بلا روح حيث تحركها رموز النظام السابق من رئيس الدولة ومعاونيه في الحكومة أو الإعلام، وكأن الشعب قد استقال من الساحة وترك الأمور لزمرة من اللاعبين تحت أسماء “لجنة السياسات” أو مباحث أمن الدولة” أو المحظوظين من رجال الأعمال.

ورغم تعدد مظاهر التذمر وأشكال القلق التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، فقد جاءت ثورة 25 يناير مفاجأة للجميع. وإذا بالمارد يستيقظ ويخرج إلى الشوارع من أقصى البلاد إلى أقصاها مطالباً بالتغيير، وإسقاط النظام. وقد سقط النظام بالفعل أو بالأحرى سقطت رموزه وفقد شرعيته. وهكذا تغير المشهد كلياً في هدوء أقرب إلى الموات إلى حياة لا تمل من الحركة في كل اتجاه. وانتقلت مصر من النقيض إلى النقيض، فبعد أن كنا نعاني من إفراط من السلبية إذ بنا ننغمر في صخب من الحماس، فالكل يتحدث، والكل يتحدث في كل شيء، والكل أصبح فجأة خبيراً في كل شيء، فهو يتحدث في السياسة والدستور، وفي الاقتصاد والموازنة، وفي التنظيم الإداري والمركزية واللامركزية، وفي التعليم والبحث العلمي، والأمن والدفاع… والقائمة طويلة. وبعد أن كان المشهد موحشاً بالصمت والموات وكأننا نقيم في القبور، انقلب المشهد إلى صخب وضوضاء، فالكل يتكلم في نفس الوقت في كافة الموضوعات بلهجات مختلفة كما في بابل. وبطبيعة الأحوال فإن مثل هذا الانقلاب الهائل لم يكن غريباً، بل هو أمر معروف، فيما يعرف “بالمراحل الانتقالية”. فالمراحل الانتقالية بطبيعتها مراحل صاخبة في صراع خفي بين نظام قديم يتوارى ولكنه يقاوم، وبين نظام جديد يؤسس ولكن لم يكتشف بعد معالمه وخصائصه. ومسؤولية هذه المرحلة الإنتقالية هي تحقيق هذا العبور بأكبر قدر من السلاسة وأقل قدر من التكاليف، مع ضمان انتهاء النظام السابق وعدم ظهوره من جديد في رداء مختلف، ووضع الأسس لقيام نظام جديد ومختلف.

فهل تحقق ذلك العبور الآمن بعد ثورة 25 يناير؟ الحقيقة أن المشكلة كبيرة وعويصة، فلم يكن من السهل توقع ما حدث في الميادين والشوارع، ولذلك جاءت الإجابة مترددة وأحياناً متناقضة حيث فرضتها الظروف القائمة آنذاك. وقد بدأت مواجهة الوضع الجديد بتشكيل حكومة أحمد شفيق. وجاء أحمد شفيق في ظل الرئيس السابق باعتباره رئيساً لحكومة “ترميم الأوضاع”، وليس “تغييرها”. فمهمه أحمد شفيق لم تكن تحقيق أهداف الثورة في التغيير، بقدر ما كانت حماية النظام القائم آنذاك في مواجهة المطالب الشعبية مع إجراء التغييرات الضرورية وبما يسمح بتهدئة الثائرين. ولكن لم يكن بين أهداف هذه الحكومة تغيير النظام وإقامة نظام جديد. ولذلك فقد كان من الطبيعي أن تسقط حكومة شفيق وتشكل حكومة جديدة من وسط الثورة. وجاءت حكومة عصام شرف نتيجة لاختياره من الثائرين في ميدان التحرير.

ولا يشك أحد في نزاهة عصام شرف أو في دوافعه، ولكنه وقع في خطأ استراتيجي عندما اعتمد في تشكيل حكومته الثورية على كثير من الوجوه التي جاءت مع أحمد شفيق أو من الناشطين السابقين في “لجنة السياسات”. وهكذا بدت وزارة شرف وكأنها استمرار لحكومة شفيق، واختلط الأمر، فهل هي حكومة “ترميم” مع بقاء المعالم الأساسية للنظام، أم هي حكومة “تغيير”؟ والثورات ليست مجرد أفعال وإنما هي أيضاً رموز وانطباعات. ومع وجود عدد من الوجوه القديمة، لم تنجح حكومة شرف الجديدة في إعطاء الإشارات الصحيحة. ومن هنا نفهم الشعبية الجارفة التي حققها نبيل العربي في وزارة الخارجية لأنه جاء من خلفية مختلفة، وذلك في مقابل الهجوم الصريح أو المبطن لبعض الوزراء الآخرين الذين ارتبطوا بشكل أو آخر بالنظام السابق. وهكذا بدأت الحكومة مسؤولياتها بخصم من أرصدتها لمجرد شكل تكوينها. فالخطيئة الأولى لحكومة شرف هي أنها بدت كامتداد لحكومة شفيق وليس انقلاباً عليها. ولعل الدكتور شرف قد أدرك هذه الحقيقة، حيث نشرت الصحف أنه أبدى رغبته في تغيير بعض الوجوه وإن كان لم ينجح في ذلك. وهو ظلم كبير للرجل وحكومته.

ورغم قصر الفترة التي أمضتها حكومة شرف في الحكم، فقد نجحت في تحقيق عدد من الإنجازات التي لا يمكن تجاهلها. فقد اعترفت الحكومة باختلال نظام الأجور وقررت وضع حد أدنى للأجور، وهو مطلب إنساني هام. ومع أنه لا يوفي بكل احتياجات الفقراء فإنه يمثل خطوة هامة للأمام ويضع الأساس لنظام أكثر عدالة وربما أكثر كفاءة أيضاًًًًً. كذلك فإن العودة التدريجية للشرطة، ورغم كل القصور، فإنها تمثل خطوة على الطريق السليم، وإن كانت تتطلب المزيد. وبالمثل فإن مبدأ إعادة النظر في أسلوب اختيار المسئولين عن إدارة الكليات والجامعات بعد انتهاء فترة الامتحانات يعتبر إنجازاً هاماً. ويأتي تأكيد الحكومة على التزامها بتنفيذ حكم القضاء بإلغاء المحليات استجابة طيبة، وإن كان الشعب يتمنى أن تكون الحكومة أكثر جرأة باتخاذ هذا القرار من تلقاء نفسها بعد أن عمت الشكوى من سلوك هذه الأجهزة وإفسادها للحياة السياسية والإدارية. وفي كل هذا وغيره تقوم الحكومة بعمل كبير لحل المشاكل اليومية والتي تظهر كل يوم.

لقد كان التوقع أن يكون تشكيل حكومة عصام شرف نقلة نوعية في الحياة السياسية في مصر. فهي تشكل بقرار من الجيش باعتباره السلطة الفعلية الجديدة بعد نجاح الثورة. ولذلك فقد كان الإعتقاد أن تبدأ هذه الحكومة بداية مختلفة لبداية عصر جديد. ومع ذلك فإن الحكومة بدت كما لو كانت استمراراً للحكومة السابقة مع الاهتمام بإطفاء حرائق. فعندما تنفجر أزمة تتحول الحكومة لمواجهة هذه الأزمة، لكي تنتقل بعد ذلك إلى أزمة أخرى عند انفجارها. فلم تبدأ الحكومة بإعطاء رؤية عن دورها، كما لم تعلن بعد تشكيلها عن برنامج عمل واضح لها. لقد ظُلمت هذه الحكومة حين وصفت بأنها “حكومة تسيير أعمال”، في حين أنها تتحمل في الواقع مسؤولية أخطر مرحلة، وهي “مرحلة الانتقال”. كما ظلمت الحكومة نفسها عندما تصرفت كحكومة تسيير أعمال وكان الأولى بالحكومة – وهي حكومة مؤقتة – أن تعلن رؤيتها على الملأ، منذ البداية.

كذلك تعاني الحكومة من ضبابية في علاقتها مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة. فما هي حدود اختصاص كل من الوزارة والمجلس؟ لا ينكر أحد أن الثورة قد فجرها الشباب، ودعمها الشعب بكافة أطيافه، وضمن لها الجيش والقوات المسلحة النجاح. ومن هنا فإن القوات المسلحة، ممثلة في المجلس الأعلى، هي السلطة العليا في البلاد خلال الفترة الانتقالية، وهي المسئولة عن أمن واستقرار البلاد وانتقالها سلمياً للحياة العادية. وقد تشكلت الحكومة في ظل سيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. فما هي حدود العلاقة بين المؤسستين؟ هذا أمر يحتاج إلى وضوح حتى تتحدد المسؤوليات. هذه قضية هامة.

فالمشكلة الرئيسية مع حكومة شرف هو أنها لم تعلن بوضوح عن رؤيتها لمهمتها في الفترة الإنتقالية، وما هي أولويات العمل أمامها، وما هي النتائج التي تهدف إلى تحقيقها، وأخيراً ما هي الحدود والقيود التي ترد على سلطاتها . إن ما حققته مصر في الشهور القليلة الماضية أمر مشرف رغم كل السلبيات، وإن ظل دون توقعات الأفراد لحكومة الثورة. ومع هذا فإن تفاؤلي بالمستقبل لم يتزعزع. فما يحدث على الأرض ليس غريباً عن الثورات فهذا هو تاريخ الثورات. ولم تفلت أية ثورة في العالم من مرحلة غموض وإرتباك بل ومن إرتكاب بعض الإخطاء، فهذه سنة الحياة. ولكن ذلك لا يمنع من التأكيد على أننا نحتاج، وبأسرع وقت، إلى مزيد من الوضوح والجرأة.

المسقبل أمامنا باهر رغم كل ما نتحمله من أعباء وآلام. فكل هذه السلبيات والآلام ليست سوى مخاض لمستقبل زاهر بإذن الله. فالشعب قد استعاد دوره وثقته في نفسه، ولن يوقفه شيء. والله أعلم.

الشروق 9 يوليو 2011

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *