هل نحن في حاجة إلى مؤشرات جديدة “للتضخم”؟

تتطلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية توافر بيانات إحصائية سليمة ودورية مع المرونة لمتابعة التغيرات على أرض الواقع. ومن هنا أهمية الإحصاءات للباحثين وواضعي السياسات سواء في الحكومات والهيئات العامة أو في العديد من المؤسسات الخاصة أيضاً. ورغم أهمية الإحصاء لمختلف العلوم، فإنني سوف أقتصر في هذا المقال على التعرض للإحصاءات في ميدان الاقتصاد.

يقوم الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر بالدور الأساسي في تجميع ونشر الإحصاءات العامة، باعتباره الهيئة الحكومية المنوط بها جمع ونشر الإحصاءات العامة. ويوجد إلى جانب هذا الجهاز العديد من أجهزة الدولة أو المؤسسات الخاصة التي تجمع وتنشر مختلف البيانات المتخصصة وتحليلها عن مختلف الجوانب للحياة العامة.

ولكن معظم الإحصاءات الاقتصادية ليست مجرد بيانات تجمع وتنشر على الملأ بل أنها تتطلب
ـ عادةـ الإعداد النظري المسبق للعديد من “المفاهيم”، مع وضع الأطر والأدوات المناسبة لجمعها حتى يمكن الإفادة من البيانات المنشورة على نحو ملائم. فدور أجهزة الإحصاء ليس مجرد تجميع بيانات Data وإنما هو تحويل البيانات الأولية والخام، إلى “مفاهيم” ذات دلالات لتصبح “معلومات” Information قابلة للاستخدام من جانب واضعي السياسات أو الدارسين. فواضع السياسة الاقتصادية يرغب، مثلاً، أن يعرف ما هو معدل نمو الاقتصادي القومي، أو تحديد حجم هذا الناتج ، أو معرفة مستوى الأسعار وبالتالي ما يطرأ على قيمة النقود من تغيير. ولكن هذه الكميات لاتوجد مباشرة في الواقع، بل هي حصيلة تعريفات إحصائية وتتوقف على الأساليب المستخدمة لاستخلاصها. فلا يوجد على أرض الواقع شيء محدد اسمه “الناتج القومي” أو “متوسط الدخل الفردي” أو “قيمة النقود”. هذه كلها مفاهيم إحصائية يستخلصها رجل الإحصاء من الواقع الاقتصادي المعقد من ملايين المعاملات الاقتصادية للبيع والشراء أو الإيجار أو غيرها والتي تتم فيما بين ملايين من البشر. فكيف يتم تحويل “البيانات” عن هذه المعاملات إلى مفاهيم إحصائية صالحة لاستخدام واضعي السياسات؟ هذا هو ما يفعله علم الإحصاء في ضوء النظريات الاقتصادية السائدة.

ونظراً لأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية لاتتعامل عادةً مع حالات فردية وإنما مع مفاهيم اقتصادية إجمالية ذات دلالة، فإنها تتطلب إعداد “تجميعات” aggregates أو “متوسطات” averages لمختلف الأنشطة الاقتصادية. وتستخلص هذه الكميات الإجمالية أو المتوسطات عن طريق أساليب للتجميع أو لاستنباط المتوسطات الإحصائية. فهذه الكميات الاقتصادية هي في حقيقتها “مفاهيم إحصائية” وليست وقائع مادية ملموسة في الحياة، وهي تلعب دوراً هاماً في الدراسات العلمية ومن بينها الاقتصاد. فما هو هذا “المتوسط الإحصائي”؟

“المتوسط الإحصائي” هو وسيلة لاختصار بيانات كثيرة ومتعددة عن جمع كبير من العناصر والتعبير عنها برقم واحد. فبمجرد قراءة هذا “المتوسط” نستطيع أن نكتسب معلومات “معقولة” عن عدد كبير من العناصر اكتفاءً بهذا المؤشر الموجز. وبذلك تؤدي هذه “المتوسطات” خدمة هائلة لواضعي السياسات بإعطائهم صورة عن الواقع المعقد والمتنوع بمجرد النظر إلى عدد محدود من “المؤشرات” التي تلخص الصورة الإجمالية والمعقدة دون حاجة للغرق في تفاصيل كثيرة لاحد لها.

ولكن صعوبة “الواقع” الذي نود أن نتعرف عليه لاتقتصر على كثرة العناصر وتشتتها بل أن هذا الواقع قد يتكون من عناصر مختلفة غير متجانسة، ونود أن نختصرها في رقم واحد للتعبير عن هذا الواقع المعقد والمركب. ومن أشهر هذه الأمثلة البحث عن “الناتج القومي” أو “الدخل القومي”. فهنا نتحدث عن آلاف السلع والخدمات المتنوعة والمختلفة. وليس بعيداً عن ذلك أن نحاول قياس “المستوى العام للأسعار” وبالتالي التضخم وما يحدث لقيمة “النقود”. فقيمة النقود تتوقف على قدرتها على شراء السلع والخدمات المعروضة في الأسواق. وترتبط قيمة النقود عكسياً بمستوى الأسعار. ولكن كيف نحدد هذا المستوى العام للأسعار؟ نحن نتحدث هنا عن مئات الآلاف من أثمان السلع والخدمات التي تتداول بين ملايين البشر، فكيف نعبر عن هذه الوقائع المتفرقة والمتنوعة برقم واحد مثلاً؟ هذا هو ما يطلق عليه الرقم القياسي Index number للتضخم. فالرقم القياسي بهذا الشكل هو نوع من المتوسطات الاحصائية والذي يختصر في رقم واحد ما يحدث لمجموعة كبيرة من الوقائع الفردية.

وترجع أهمية مؤشر “المستوى العام” للأسعار إلى أن واضعي السياسات الاقتصادية
ـ خاصة السياسة النقدية ـ يضعون نصب أعينهم هذا المستوى العام للأسعار أو التضخم عند تحديدهم لهذه السياسات. ولكن المشكلة هي أن الأثمان لا تتغير كلها في نفس الوقت أو بنفس النسبة، ولا حتى دائماً في نفس الاتجاه فبعض الأثمان يرتفع والبعض الآخر يظل ثابتاً بل وأحياناً ينخفض. كذلك فإن بعض هذه التغيرات قد ترجع إلى اعتبارات مستقلة. كل هذا يتطلب التوافق على مفاهيم لمعرفة “قيمة النقود” أو مستوى التضخم.

ويتضح مما تقدم أن مؤشر التضخم أو مستوى الأسعار هو “مفهوم إحصائي” وليس حقيقة مادية يمكن الإمساك بها في الواقع، فهو حقيقة إحصائية تعبر عن “الاتجاه العام” للأثمان. ويتوقف هذا المؤشر على أمرين، الأول هو مدى شمول السلع الداخلة في هذا المؤشر، والأمر الثاني هو الوزن النسبي لكل سلعة في هذه السلة. وعادةً ما يختلف مدى اتساع أو شمول المؤشر بحسب الغرض من إصداره. فإذا كان الغرض هو تحديد مستويات المعيشة للمستهلكين فإن سلة السلع المختارة لابد وأن تعكس أنماط الاستهلاك السائدة، وليس الأمر كذلك بالنسبة للمنتج أو المستثمر مثلاً الذي يهتم بالدرجة الأولى بظروف الانتاج وما ترتبط به من تغيرات أسعار المواد الأولية والطاقة وربما أسعار الصرف. وهكذا يتغير مدى اتساع أو انكماش سلة السلع المختارة بحسب الغرض من المؤشر الاحصائي المستخدم.

بعد هذه المقدمة الطويلة ـ لغير المختصين ـ أعلن البنك المركزي عن نيته في إصدار مؤشر جديد للتضخم (مستوى الأسعار) في مصر، وذلك أسوة بما يفعله صندوق النقد الدولي ومن قبله بنك الاتحاد الفدرالي في أمريكا، حيث تصدر هذه المؤسسات إلى جانب مؤشرات التضخم التقليدية، مؤشراً جديداً أطلق عليه مؤشر “التضخم الأساسي” Core inflation، وذلك باستبعاد أسعار الطاقة والمواد الغذائية. ونظراً لأن هذه الأسعار عرفت تقلبات شديدة في الأسواق العالمية، وكثير منها يرجع إلى صدمات العرض فضلاً عن المضاربات المالية في الأسواق المالية، فقد رُئِيَ أن تقلباتها لاتعبر بالضرورة عن نتائج السياسات الاقتصادية المحلية.

ويبدو أن البنك المركزي يتجه إلى متابعة هذا التقليد بإصدار مؤشر جديد “للتضخم الأساسي” وذلك إلى جانب الرقم القياسي العالم لأسعار المستهلكين، حيث يستبعد فيه من سلة السلع المستخدمة تلك السلع ذات الأسعار المحددة إدارياً (البنزين بصفة أساسية) وكذا السلع الغذائية (الخضروات والفواكه)، باعتبارها أثماناً “انفعالية” شديدة التقلب، وبالتالي قد لاتعطى صورة سليمة عن مستوى الأسعار والتضخم. وقد بيَّّن المسئولون في البنك المركزي بوضوح أن مؤشر التضخم الجديد وإن كان مشتقاً من الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين، فإنه ليس بديلاً عنه، وإنما هو مكمل له لإعطاء مؤشرات أكثر ملاءمة عن تطور الظواهر النقدية.

ومع ذلك فقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى أن الوضع في مصر يختلف بعض الشيء عن معظم الدول المتقدمة وبالتالي هناك محل للتساؤل عن مدى مناسبة هذا المؤشر بالنسبة لأوضاعنا المحلية. ففيما يتعلق بأسعار البنزين فإن أسعاره لاتتذبذب مع الأسعار العالمية، بل هي محددة إدارياً ـ كنوع من الدعم ـ وبالتالي يغلب عليها الجمود وليس التقلب، وعندما تتغير هذه الأسعار (بقرار سياسي) فإنها ترتفع ولا تعود للانخفاض بعد ذلك. فعندما قررت الحكومة تخفيض الدعم برفع بعض أسعار الوقود، كانت أسعار النفط العالمية قد قاربت 150 دولار للبرميل، ثم انخفض السعر العالمي بعد ذلك إلى ما يقرب من النصف. ومع ذلك ظلت أسعار البنزين الجديدة على ما هي عليه دون أن يكون لهذا الانخفاض العالمي أي تأثير على أسعار البنزين المحلية. فالحقيقة أن أسعار البنزين في مصر لاتتميز بالتذبذب الشديد ـ بل على العكس ـ بالجمود الكبير. وهكذا، فالأسعار الإدارية لاتتميز “بالانفعالية” كما جاء في بيان البنك المركزي. وما دمنا نتحدث عن الأسعار الإدارية فماذا عن إيجارات العقارات القديمة، أليست هي الأخرى “مجمدة” إدارياً؟ فهل هي مستبعدة هي الأخرى من المؤشر الجديد؟ وأخيراً لاينبغي أن ننسى أن السلع المقترح استبعادها من المؤشر تمثل ـ كما جاء في بيان البنك المركزي ـ نسبة كبيرة تكاد تصل إلى ثلث السلة المستخدمة في تحديد مستوى الاستهلاك، وهي نسبة عالية يخشى أن يؤدي إسقاطها من الحساب إلى إعطاء انطباعات خاطئة عند القارئ غير المتخصص.

لا شك أن إعادة النظر بين الحين والآخر لمكونات سلة السلع المكونة لمؤشر التضخم أو غيره من المؤشرات أمر ضروري ومفيد، بشرط أن يكون الغرض هو أن تصبح السلة المعدلة أكثر تعبيراً عن أوضاع الاقتصاد المحلي. ولابأس من الإفادة من تجارب الدول الأخرى والمؤسسات المالية، على أن يظل الاعتبار الأساسي هو أن تساعد هذه المؤشرات الجديدة على فهم أوضاع الاقتصاد المحلي بدرجة أكبر، وألا يكون من شأنها أن تعطي انطباعات غير حقيقية. والله أعلم.

الأهرام: 15 نوفمبر 2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *