هل نحن في حاجة إلى ولاية الفقيه؟

تناولت الصحافة المصرية أنباء عن أعداد جماعة الأخوان المسلمين لبرنامجهم السياسي. وجاء فيما تداولته الأخبار أن هذا البرنامج يتضمن إنشاء مجلس أعلى أو لجنة للفقهاء لإبداء الرأي في مدى شرعية القوانين والسياسات. وهو أمر آثار عند البعض هواجس القلق بتبني مفهوم ” ولاية الفقيه” والذي أخذت به الجمهورية الإسلامية في إيران. و أشارت تصريحات المسئولين في الجماعة إلى أن البرنامج المشار إليه مازال في مرحلة الأعداد ولم يبت فيه بشكل نهائي، وأن فكرة هذا المجلس ليست اكثر من صورة أخرى من إدارات الفتوى والتشريع في مجلس الدولة. ورغم هذه الإيضاحات فما يزال الكثيرون على تخوفهم، ويرون أن مثل هذا الأجراء – إذا أخذ به – قد يكون خطوة على الطريق إلى ” الدولة الدينية”، بقبول شئ من مفهوم ” ولاية الفقيه” القائم في إيران.

 

وليس الغرض من هذا المقال مناقشة ما نشر عن برنامج جماعة الأخوان المسلمين في ذاته بقدر ما هو إعادة التذكير بموقف الإسلام من نظم الحكم السياسية، وبوجه خاص رفض الإسلام لمفهوم ” الدولة الدينية”، باعتبارها سلطة معصومة أو شبه معصومة تنطق باسم الدين. ولعل نقطة البدء هي التأكيد على أن نظم الحكم في الإسلام هي عمل سياسي بشري لاشأن للدين فيه. 

 

وكان المغفور له الشيخ علي عبد الرازق قد نشر كتاباً هاماً عن “الإسلام و أصول الحكم” بحث في ” الخلافة والحكومة والإسلام”، في عام 1925، عندما عن للملك فؤاد – آنذاك – أن يتطلع إلى خلافة المسلمين، بعد انتهاء الخلافة العثمانية،  بمقولة أن الخلافة ركن من أركان الإسلام. وقد تصدى الشيخ علي عبد الرازق ببلاغة وقوة لهذه الدعوى، مؤكداً أن النبي محمد – عليه السلام – ولم يكن ملكاً او سلطاناً، وإنما كان صاحب رسالة دينية، وأن ما جاء في القرآن عن الرسول لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني الملك أو السلطان. “وما أرسلناك عليهم وكيلاً” ( سورة الإسراء)، ” أنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل” (سورة الزمر)، ” فان اعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً، وأن عليك ألا البلاغ” (سورة الشورى)، “فذكر انما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ألا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر”، ( سورة الغاشية)، ” وما على الرسول إلا البلاغ المبين” ( سورة النور).

 

فالقرآن – كما يؤكد الشيخ عبد الرازق – صريح في أن محمداً، عليه السلام، لم يكن له على أمته غير حق الرسالة والبلاغ. ويذكر الشيخ في كتابه أن رجلاً جاء إلى النبي – عليه السلام – لحاجة يذكرها، فقال له صلى الله عليه وسلم: ” هون عليك فأنى لست بملك ولا جبار، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة”. وهكذا ينتهي الشيخ علي عبد الرازق إلى أن “الإسلام قد جاء بالعديد من أنظمة وقواعد وآداب الحياة، ولكن لم يكن فيه شئ كثير أو قليل من أساليب الحكم السياسي ” ( أصول الحكم، الطبعة الثانية 1925، ص 84)، فمحمد – عليه السلام – ” ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين، لاتشوبها نزعة ملك، ولادعوة لدولة” (نفس المرجع ص 64). وهذا ليس بدعة في تاريخ الرسل، فكما يؤكد شيخنا أننا، ” لانعرف في تاريخ الرسل من جمع الله له بين الرسالة والملك إلا قليلاً ( نفس المرجع 50).

 

الدولة السياسية ونظمها هي عمل بشري يتطور مع تطور الحياة واحتياجاتها. فالدولة الإسلامية التي أنشأها المسلمون بدءاً من دولة الخلفاء الراشدين، هي عمل بشري نتيجة للحوار والنقاش وبعد أخذ ورد في “السقيفة”، وليس لأحد أن يسبغ على هذا الشكل صبغة دينية أو إلهية. وبعد أن اتسعت الدولة وتنوعت المصالح وتعقدت وتغيرت موازين القوى تحول حكم المسلمين إلى ملك بني أمية، وهو أيضاً عمل سياسي بشري لا مجال لسلطة دينية فيه، وذلك حتى وهنت قوى الأمويين وتغلب عليهم العباسيون وقامت الخلافة العباسية، التي هي بدورها عمل سياسي بشري رغم ما قامت به الدعوة العباسية من دعاية دينية للترويج لأهل البيت. فالحكم والسياسة هي من أمور الدنيا وليست من أمور الدين، والخلاف حولهما إنما هو خلاف في أمور الدنيا لاشأن لسلطة دينية فيه. ومن هنا كانت وقفة الشيخ علي الرازق ضد الملك فؤاد عندما أراد أن يسبغ طابعاً دينياً على طموحه السياسي في تولي الخلافة باسم الإسلام.

 

واليوم تطل علينا هواجس جديدة قد تنتهي بإقامة ” سلطة دينية” أو ” شبه دينية” بأسم مجلس الفقهاء. وهذه قد تكون بداية للدولة الدينية، والتي تتناقض تماما مع الإسلام. فالإسلام لايعرف أصلا مفهوم “السلطة الدينية”. فهو كدين للفطرة انشأ علاقة مباشرة بين الفرد وربه، دون وساطة من كهنة أو رجال دين. فلا كهانة في الإسلام، ولا وسيط بين الفرد وخالقه، وليس لأي فرد أو سلطة تفويض من الله. وبطبيعة الأحوال فأن علوم الدين من قرآن وسنة ولغة وتاريخ تحتاج فيمن يتعرض لها أن يتمتع بعلم واسع وغزير في هذه الأمور حتى لا يفتح الباب إلا لمن توافرت لديه شروط العلم. ولهؤلاء العلماء قدرهم على قدر اجتهادهم، ولكن ليس لأحد عصمة فيما يقول، ولايستطيع أحد أو سلطة أن يدعي لنفسه القول الفصل. وصدق الخليفة عمر بن الخطاب عندما قال ” أخطأ عمر وأصابت أمراه”. فلاعصمة لأحد – بعد رسول الله – في مسائل الدين، وبوجه خاص فان قضايا الحكم والسياسة هي من أمور الدنيا، فالحكم يتم باسم ولحساب البشر.

 

وإذا كان موقف الإسلام واضح وصريح في عدم قبول مفهوم “السلطة الدينية”، فليس الأمر كذلك بالضرورة في الأديان الأخرى. فالمسيحية – مثلاً- تعرف مفهوم “السلطة الدينية” حيث تعتبر الكنيسة ركناً من أركان العقيدة الدينية. فالعقيدة المسيحية – وخاصة لدى الكاثوليك – ترى أن الروح القدس قد حلت بالكنيسة، فهي ظل الله في الأرض، كما أنها استمرار لرسالة السيد المسيح. وكان السيد المسيح قد أوصى بطرس الرسول – بعد أن غير أسمه لمعنى الصخرة – مطالباً إياه ببناء الكنيسة على هذه الصخرة، والتي حلت بها الروح القدس، وفقاً للعقيدة، بعد صعود السيد المسيح إلى السماء. ومن هنا بدأت الكنيسة تتصرف باعتبارها سلطة روحية مفوضة من الله مباشرة. وقد باشرت الكنيسة هذه السلطة الروحية على أبنائها حتى اعترف الإمبراطور قسطنطين  بالمسيحية واعتنقها، فظهر – وخاصة بعد ضعف الإمبراطورية – صراع بين الكنيسة والإمبراطور. فأصرت الكنيسة على أن لها وحدها السلطة الدينية على العباد وأن للإمبراطور السلطة الزمنية فقط. وتوسع البابا في مفهومه للسلطة الدينية، فكون الجيوش وفرض الضرائب بل وضمن دخول الجنة لمن يدفع مقابل صكوك الغفران. وأصبح البابا، باسم السلطة الدينية، شريكاً في الحكم ينازع الإمبراطور يغلبه حيناً ويخضع له أحيان أخرى. وحتى إعلان الحملات الصليبية لم يأت من رجال السياسة والحرب بل جاء على لسان البابا أيربان الثاني(Urban II)   1095، مما غــرس بذور الشقاق بين المسلمين والمسيحيين. وفي كل هذا يتبين إلى أي حد تحولت السلطة الدينية للكنيسة إلى سلطة سياسية تتحكم باسم الدين، مما أفسد الدين والسياسة معاً.

 

ولذلك لم يكن غريباً أن تبدأ حركة الإصلاح في أوربا في بداية القرن السادس عشر مع الدعوة إلى البروتستاتينية والعداء للكنيسة الكاثوليكية. وقد بلغ عداء مارتن لوثر لهذه الكنيسة حتى أنه اعتبرها عــدو السيــد المسيح Anti- Christ. واستمرت الدعــوة للإصلاح الديني فـي أوربا بأبعاد الكنيسة عن السياسة حتى توصلت معظم الدول الأوربية إلى مفهوم “العلمانية” وفصل الدولة عن الكنيسة.

 

وهذا الوضع الخاص بالكنيسة غير موجود في الإسلام فمفهوم رجال الدين غير معروف – على ماذكرنا – في الإسلام إلا باعتبارهم أهل علم واجتهاد، وانهم بشر مثل غيرهم يخطئون ويصيبون.

 

ومع ذلك فأن أهل الشيعة – في الإسلام – وربما نتيجة لما لحقهم من ظلم واضطهاد على مر العصور من الأمويين ثم العباسيين- قد لجئوا إلى الانزواء والتخفي وراء ماعرف بالباطنية أو التقية – وهي إظهار غير ما يبطنون، رغبة في اتقاء شر الظالمين من الحكام. وفي هذا الجو العام من الاضطهاد والتخفي والباطنية عرفت بعض فرق المذهب الشيعي شيئاً من التطرف والغلو، وألتف معظمهم حول أهل البيت، بل وذهب البعض منهم إلى حد تقديس الأئمة من أهل البيت. وقد اعترفت هذه الفرق لهؤلاء الأئمة من أهل البيت بالعصمة كسلطلة دينية روحية إلى جانب السلطة الزمنية للخلفاء والحكام. وبذلك دخل هذا المذهب شئ قريب مماعرفته المسيحية من ازدواج السلطة بين “سلطة دينية” و”سلطة زمنية”. ولاننسى أن المسيحية كانت قد عرفت بدورها اضطهاداً شديداً خلال أكثر من ثلاثة قرون وقبل أن يعتنق قسطنطين الديانة المسيحية، في القرن الرابع، وينهى اضطهاد المسيحيين. فوجه الشبه قائم بين الحالين، فئة مضطهدة في حياتها ولاتجد ملجأ سوى هذه الكنيسة أو هؤلاء الأئمة من أهل البيت، فهم الملاذ والخلاص من ثم يسهل أن يتحولوا إلى سلطة دينية. وخلال فترة الاضطهاد عرف كل منهما الاستشهاد بأسم السيد المسيح تارة وفي سبيل الحسين تارة أخرى. وهكذا لم يكن غريباً أن يتضمن الدستور الإيراني – بعد نجاح ثورة الخميني – نصا يؤسس فيه “لولاية الفقيه” نائباً عن الأمام، باعتباره المرجع الأعلى في الشؤون الدينية. وهو في هذا يكاد يتمتع بعصمة لاتوازيها سوى عصمة الأنبياء. وكل هذا غريب على جمهور المسلمين الذين لا يعترفون بعصمة لأحد. فالإسلام، وقد نجحت رسالته في حياة الرسول، لم يعرف اضطهاداً أو تعذيباً لمعتنقيه بعد حياة الرسول، فظهر الحكم السياسي منذ الخلفاء الراشدين واضحاً وواثقاً بلا حاجة إلى تقية أو إدعاء بسلطة دينية. ورفض أبو بكر لقب ” خليفة الله” مكتفياً ” بخليفة رسول الله “. الإسلام لا يعرف سلطة دينية. والسلطة الدينية الوحيدة في الإسلام هي للرسول -عليه السلام-  وبقدر ما أوحي أليه.  

 

والآن، تطل علينا – في حياء – دعوة قد تمهد لولاية الفقيه. وهي دعوة غريبة على الإسلام، على الأقل بالنسبة لجمهور المسلمين من أهل السنة. أنها دعوة سياسة في جوهرها تتخفى وراء رداء من الدين، والدين منها براء. فهل لنا من خليفة للشيخ علي عبد الرازق ليدافع عن الإسلام أمام شطحات ونزوات رجال السياسة بإلباس سعيهم للحكم رداء الدين. وما كان غير جائز لملك فلن يكون مقبولاً من جماعة أو حزب سياسي. وصدق رسول الله عندما قال ” لا تجتمع أمتي على خطأ. وهذه هي الديمقراطية السياسية، فالأمة هي مصدر السلطات،  وليست في حاجة إلى وصاية أو ولاية. 

 

والله أعلم

 

الأهرام 28 / 10 /2007

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *