هل هناك اقتصاد عربي ؟

 

هناك أشياء كثيرة عربية: هناك أمة عربية، هناك تاريخ عربي، هناك لغة عربية، هناك ثقافة عربية. ويمكن أن تتعدد المجالات. ولكن هل هناك أيضاً اقتصاد عربي؟ الإجابة السريعة لا. هناك اقتصادات عربية قطرية متراصة واحدة إلى جوار الأخرى، وتقوم بينها بعض العلاقات الاقتصادية – كما هو الحال مع الدول الأخرى وأحياناً أقل – ولكن كل ذلك لا يرقى إلى القول بأن هناك اقتصاداً عربياً متكاملاً ومترابطاً.

وقد يكون من المفيد – قبل أن نتوسع في شرح هذه الإجابة السريعة على التساؤل المطروح – أن نلقي نظرة على الأوضاع الاقتصادية العامة للوطن العربي. وسوف نكتفي بعدد قليل من المؤشرات حتى لا نغرق في تفاصيل تنحرف بنا عن الغرض الأساس، وهو البحث عن حقيقة وجود اقتصاد عربي وأسباب ذلك.

يشغل الوطن العربي منطقة الحزام الصحراوي الممتد من شمال أفريقيا حتى غرب آسيا شاملاً الجزيرة العربية على المحيط الهندي. وتبلغ المساحة الكلية لهذه المنطقة حوالي 14.2 مليون كيلو متر مربع أي حوالي 10 في المائة من مساحة العالم المسكونة. ويبلغ عدد سكان المنطقة حوالي 280 مليون نسمة أي أقل قليلاً من 5 في المائة من سكان العالم. ويتراوح حجم الناتج الإجمالي لدول المنطقة في بداية القرن الحادي والعشرين حوالي 700 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي 2.5 في المائة من الناتج الإجمالي في للعالم.  وقد نقف لحظة أمام هذه الأرقام ودلالاتها، 10 في المائة من مساحة العالم، 5 في المائة من حجم سكان العالم، 2.5 في المائة من الناتج العالمي. فنسبة ما ننتجه هو نصف نسبة سكاننا في العالم مما يعكس انخفاض إنتاجية الإنسان العربي. وما يمثله العرب على الرقعة الجغرافية التي يعيشون فيها هو نصف النسبة التي يمثلها سكان بقية العالم في المناطق الأخرى. الأمر الذي يعكس الظروف الطبيعية الصعبة التي كان يمكن أن تسمح بكثافة سكانية أكبر. فالمنطقة تقع بأكملها في منطقة الصحراء الأقل مناسبة لحياة البشر. وقد ظهر ذلك في النقص الشديد في المصادر المائية المتاحة لسكان المنطقة. فهذه منطقة هي أكثر مناطق العالم جفافاً وأقلها في مصادر المياه. ومع ذلك، فإذا كانت الطبيعة قد حرمت المنطقة من أحد أهم الموارد الطبيعية اللازمة للعيش – المياه – فقد عوضتها بوفرة هائلة في مورد طبيعي آخر بالغ الأهمية للتقدم – الطاقة. فالمنطقة العربية – من حيث مدى توافر الموارد الطبيعية – تعرف واحداً من أبرز التناقضات؟ فقر شديد في الموارد المائية ووفرة هائلة في موارد الطاقة. وعندما نتحدث عن الطاقة في المنطقة العربية فإننا لا نقتصر فقط على موارد الطاقة القابلة للاستغلال اقتصادياً – النفط والغاز – بل إننا نشير أيضاً إلى المصادر الكامنة والتي لم نصل بعد إلى استغلالها على نحو اقتصادي، ونقصد بذلك الطاقة الشمسية. فتنتج المنطقة العربية حالياً ما يزيد على خمس الإنتاج العالمي من النفط، وما تملكه من احتياطيات يجاوز 60 في المائة من الاحتياطي العالمي. كما تنتج حالياً ما يزيد على ثمن إنتاج الغاز الطبيعي وتملك ما يزيد على ربع الاحتياطيات العالمية منه. أما من حيث إمكانيات الطاقة الشمسية في المستقبل، فإن المنطقة العربية تعتبر من أكثر مناطق العالم تعرضاً لأشعة الشمس ودون غيوم مما يجعلها مؤهلة – أكثر من غيرها – للاستفادة من هذه الطاقة عندما تتوافر التكنولوجيات المناسبة لجعل الطاقة الشمسية منافسة اقتصادياً من حيث التكلفة. وهكذا يبدو التناقض صارخاً في حظ المنطقة العربية من الموارد الطبيعية، بين وفرة في الطاقة – الحالية والمستقبلية – وفقر في المياه في المنطقة العربية. وتزداد خطورة الوضع إذا تذكرنا أن مصادر الطاقة المستخدمة حالياً – النفط والغاز – هي مصادر غير متجددة، وبالتالي لها عمر افتراضي، تنفد بعده. ولذلك يثور التساؤل عما إذا كانت المنطقة قادرة على علاج مشكلة نقص المياه عن طريق الطاقة، وخاصة في المدى الطويل من الطاقة الشمسية المتجددة؟ هذا سؤال هام، وسوف يتوقف الإجابة عليه على مدى التقدم التكنولوجي في هذا المجال، ومدى ما تقوم به دول المنطقة لدعم وتطوير البحوث فيه.

ويتضح مما تقدم أن الطبيعة قد أغدقت على المنطقة في مواردها من الطاقة كما حرمتها في نفس الوقت من المصادر المائية. فماذا فعل الإنسان العربي، إزاء هذه العطايا والحرمان من الطبيعة: يبدو من الأرقام المتقدمة عن قيمة الناتج الإجمالي للمنطقة العربية وعدد سكانها، أن متوسط الدخل الفردي في المنطقة العربية هو حوالي 2500 دولار بالأسعار الجارية. ولكن الحقيقة أن هذا المتوسط يخفي تفاوتاً ضخماً بين دخول الأفراد، فهي بالغة الارتفاع حيثما يتوافر النفط (في قطر مثلاً متوسط الدخل الفردي 29000 دولار في السنة) وهي بالغة الانخفاض حيث ينعدم هذا المورد (يبلغ الدخل الفردي في موريتانيا مثلاً 270 دولار في السنة). وعلى حين تمثل الصناعات الاستخراجية (النفط والغاز أساساً) حوالي ربع الناتج الإجمالي العربي (تتغير هذه النسبة حسب تغير أسعار النفط في الأسواق العالمية)، فإن كلاً من قطاعي الصناعة والزراعة لا تزيد مساهمته على 15 في المائة ويماثلها في الأهمية – أو يزيد قليلاً القطاع الحكومي.

وبعد هذا الاستعراض لأهم المقومات الاقتصادية لمجموع الدول العربية، هناك محل للتساؤل، عما إذا كانت هذه الدول مترابطة اقتصادياً ببعضها البعض، بحيث يؤثر ويتأثر كل منها بما يدور في الأخرى، أم أنها على العكس قليلة الترابط الاقتصادي.

تتعدد أوجه العلاقات الاقتصادية فيما بين الدول وتأخذ هذه العلاقات أشكالاً مختلفة. وأهم هذه الأشكال هي التبادل التجاري حيث تؤدي التجارة في السلع والخدمات فيما بين البلدان إلى اعتمادها المتبادل على سلع أو خدمات تنتج في دولة وتستهلك في دولة أخرى مما يؤدي إلى الترابط في هياكلها الاقتصادية في الإنتاج والاستهلاك. فالدولة المصدرة تعتمد في نجاح جهازها الإنتاجي على بقاء السوق في الدولة المستوردة. والدولة المستوردة تعتمد في توفير السلع والخدمات لمواطنيها على السلع المستوردة من الدول الأخرى. وهكذا، يؤدي التبادل التجاري إلى ترابط وتداخل في الهياكل الاقتصادية القائمة مما يؤدي – بعد أن يبلغ هذا التبادل مستوى معيناً – إلى القول بأننا بصدد اقتصاد مندمج أو على الأقل اقتصاد متكامل مع الاقتصادات الأخرى.

وإلى جانب هذا الشكل للعلاقات الاقتصادية هناك أشكال أخرى عندما يتعلق الأمر بانتقالات عناصر الإنتاج من العمل أو رأس المال. وفي هذه الحالات لا تؤدي انتقالات العمالة أو رأس المال إلى التكامل أو الاندماج في الهياكل الإنتاجية والاستهلاكية بين الدول، وإن كانت تساعد على تدعيم العلاقات الاقتصادية إما باستقدام يد عاملة تزيد من القدرة على الإنتاج أو بالإضافة إلى إمكانيات الاستثمار باستقدام أموال من الخارج للإضافة إلى الادخار الوطني لتمويل عمليات الاستثمار.  وهكذا يتضح أنه برغم أهمية انتقالات عناصر الإنتاج – العمل ورأس المال – فإن التبادل التجاري هو الذي يحقق بالدرجة الأولى التكامل والاندماج الاقتصادي بين الدول. وإذا كان الأمر كذلك فما هو الحال في الوطن العربي؟

رغم كثرة الحديث عن الوحدة العربية والتعاون الاقتصادي، ورغم إنشاء المؤسسات وتوقيع المعاهدات والاتفاقيات فما تزال علاقات التبادل التجاري العربية بالغة المحدودية. حقاً لقد أنشئ المجلس الاقتصادي في إطار الجامعة العربية 1953، وعقدت أول اتفاقية لتسهيل التبادل التجاري 1953 وأنشئ مجلس الوحدة الاقتصادية في 1957، وتم الاتفاق على إنشاء منطقة التجارة الحرة الكبرى في 1998. ورغم كل ذلك فما تزال التجارة العربية البينية أقل 10 في المائة بل وأنها تبلغ هذه النسبة في أية سنة من السنين، فهي عادة تتراوح بين 7-8 في المائة ، ولعل الأخطر هو أن معدلات نمو هذه التجارة قد أخذ في التناقض في التسعينات، فعلى حين كانت الصادرات العربية البينية تتزايد بمعدل 13في المائة في الفترة 1986-1989 فإن هذا المعدل انخفض إلى ما يقرب من الصفر في الفترة 1990-1996 ، ونفس الشيء بالنسبة لمعدل نمو الواردات العربية الذي انخفض من 14 في المائة إلى 7 في المائة في نفس الفترة.  وإذا قارنا هذا المستوى المنخفض (أقل من 10 في المائة) بالوضع في أوروبا، نجد أن نسبة التجارة البينية داخل الاتحاد الأوروبي تزيد على 60 في المائة، وهو حوالي 40 في المائة في مجموعة الدول الآسيوية ولا تقل عن 20 في المائة في دول أمريكا اللاتينية.

وإذا كان حجم التبادل التجاري فيما بين الدول العربية لا يصل إلى 10 في المائة فمعنى ذلك أن 90 في المائة من التجارة الخارجية للدول العربية مندمجة اقتصادياً مع العالم الخارجي بأكثر مما هي مندمجة مع بعضها البعض. ومع ذلك، فلا يخفى أن هيمنة تجارة النفط على التجارة العربية الخارجية قد ساعدت على تضخم هذه الصورة.  فالنفط بطبيعته يصدر في معظمه إلى العالم الخارجي.  ولذلك فإن استبعاد النفط من الصورة قد يعطي شكلاً أفضل عن حقيقة العلاقات التجارية البينية بين الدول العربية. وبالفعل إذا استبعدنا النفط فإن الصورة تبدو أكثر تفاؤلاً، وخاصة بالنسبة لبعض مجموعات الدول العربية.  فصادرات الأردن لدول الجوار تمثل 47 في المائة ولبنان 46 في المائة وسوريا 20 في المائة وذلك بعد استبعاد النفط. ورغم كل هذا تظل الصورة العامة مخيبة للآمال في صورتها الإجمالية لعلاقات الدول العربية فيما بينها.

وإذا كانت التجارة العربية البينية ضعيفة على النحو المتقدم، فإن انتقالات عناصر الإنتاج بين الدول العربية أفضل حالاً، وإن كان الاتجاه هو نحو الركود بل وربما التراخي. فقد أدت ارتفاعات أسعار النفط من 1973 ثم من 1978 إلى توسع كبير في الإنفاق في الدول النفطية مما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة من العمالة العربية إلى هذه الدول بلغت ذروتها في بداية الثمانينيات. ومع ذلك فقد بدأت هذه الهجرة في التراخي منذ النصف الثاني للثمانينيات، حين بدأت أسعار النفط في الهبوط ثم جاءت حروب الخليج (مع إيران ثم غزو الكويت) وما ترتب عليها من ضغوط مالية على الحكومات مما أدى إلى تخفيض الإنفاق العام. ومع ذلك فينبغي الإشارة إلى أن انتقالات العمالة أدت إلى مزيد من التقارب والتعايش بين الشعوب كما أدت إلى قيام تيار من التحويلات المالية من العاملين إلى ذويهم مما ساعد على تحسين الأحوال الاقتصادية في الدول المصدرة للعمالة، بالإضافة إلى مساهمة هذه العمالة في زيادة الإنتاج في الدول المستوردة لها.

وإلى جانب انتقالات العمالة بين الدول العربية هناك أيضاً حركة لرؤوس الأموال، وهي تأخذ عادة شكل أموال عامة بين الحكومات أو استثمارات خاصة للقطاع الخاص. وقد عرفت السبعينات والثمانينيات تدفقات مالية هامة من الحكومات في الدول النفطية إلى دول العجز في شكل قروض ومساعدات. وقد بدأ حجم هذه التدفقات في الانخفاض منذ النصف الثاني من الثمانينات. وفي نفس الوقت هناك أيضاً بعض الاستثمارات الخاصة – وخاصة في الميدان العقاري والسياحي – ولكنها محدودة.

ويتضح من كل ما تقدم أن العلاقات الاقتصادية فيما بين الدول العربية ما تزال محدودة. فالتجارة البينية – وهي أساس التكامل والاندماج الاقتصادي – بالغة الضآلة ولم تتجاوز 10 في المائة في أي وقت من الأوقات. أما انتقالات العمالة – ورغم أهميتها – فقد وصلت إلى مستوى من الركود إن لم يكن من التراجع، كما أن انتقالات رؤوس الأموال – وخاصة من القطاع الخاص – ما تزال دون الطموح المنشود للحديث عن اقتصاد عربي. ويتضح من كل ذلك أن ما يطلق عليه تعبير “الاقتصاد العربي” هو نوع من المجاز وأن الأمر لا يزيد عن علاقات اقتصادية محدودة بين دول متجاورة وهي تقل كثيراً عن العلاقات الاقتصادية التي تقيمها هذه الدول مع العالم الخارجي.

والسؤال الآن، كيف يحدث ذلك؟ أليس هذا أمر غريب؟ الحقيقة أن الأمر ليس بهذه الغرابة. فهناك أسباب لذلك، وهي أسباب منطقية، ليس بمعنى أنها أسباب مبررة ومقبولة، وإنما بمعنى أنها أسباب مفهومة. ولنبدأ بالقول بأن وضعنا العربي لا يكاد يختلف عن وضع أوروبا عند نهاية الحرب العالمية الثانية. فرغم ما يتحدث به الأوروبيين الآن، عن التاريخ المشترك، والتراث الواحد، والقيم والتقاليد الموحدة، فقد كانت أوروبا، حتى منتصف القرن الماضي، متفرقة ومتحاربة ومتصارعة. وكانت علاقاتها الاقتصادية تعبيراً عن هذا التشرذم. فكانت أهم العلاقات الاقتصادية لإنجلترا هي مع مستعمراتها والكومنولث والولايات المتحدة وليس مع باقي أوروبا. وبالمثل فقد كانت معظم تجارة فرنسا تتركز مع مستعمراتها في أفريقيا أو آسيا، وكانت الجزائر هي ثاني أهم شريك اقتصادي لفرنسا. وتركزت علاقات ألمانيا مع دول شرق ووسط أوروبا. أما العلاقات الاقتصادية بين الدول الأوروبية الرئيسية مثل فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا فقد كانت أقل أهمية.  ولذلك ينسب إلى جان مونية – الذي يطلق عليه “أبو أوروبا” – القول بأن “أوروبا لم توجد ولابد من العمل على خلقها”. وقبلها قال بسمارك في أثر حرب 1870 “إن أوروبا هي مجرد فكرة جغرافية”. فالوحدة الاقتصادية الأوروبية التي نراها اليوم لم تكن نتيجة تطور تلقائي للعلاقات الاقتصادية بين الدول وإنما هي وليدة “إرادة سياسية” بإنشـاء وحـدة اقتصاديـة متكاملة. وما لم توجد هذه “الإرادة السياسية” ما وجدت الوحدة الاقتصادية الأوروبية.

ولا تختلف المنطقة العربية عن ذلك كثيراً فرغم أسباب الوحدة والتقارب، ليس فقط من حيث التاريخ والثقافة والجغرافيا بل أيضاً وحدة اللغة – وإلى حد كبير الدين – الأمر الذي لم يتحقق لأوروبا، فما تزال الوحدة الاقتصادية أملاً أكثر منها حقيقة.  وهكذا تظل “الإرادة السياسية” هي العنصر الجوهري والفعال لإقامة الاقتصاد العربي. و”الإرادة السياسية” لم توجد بعد في منطقتنا العربية – بالشكل الكافي – لتحقيق الوحدة الاقتصادية.

ولكن هذه الإجابة وحدها لا تشفي الغليل، بل إنها تطرح سؤالاً آخراً. حسناً إذا كانت الوحدة الاقتصادية لم تحقق لعدم وجود “الإرادة السياسية”، فإن السؤال ما يلبث أن يطرح، ولماذا لم توجد هذه “الإرادة السياسية” ؟ أليست الوحدة الاقتصادية محققة لمنافع اقتصادية للوطن العربي في مجموعة. إذن لماذا تقف “الإرادة السياسية” ضد المصلحة الاقتصادية للوطن العربي؟ هل من المنطقي أن نضحي بالمنافع الاقتصادية الكبيرة للتعاون الاقتصادي العربي؟ سؤال هام ووجيه.

لنبدأ الحديث بأن معظم المسئولين عن اتخاذ القرارات هم – في الغالب – عاقلون ويوازنون بين المنافع والخسائر، عند اتخاذ أي قرار، ولكن الأمر الذي ينبغي إدراكه هنا هو أن المقارنة بين المنافع والأضرار تكون – عادة وإن لم يكن دائماً – هي مقارنة بين النفع والضرر الذي يعود على صاحب الشأن مباشرة، أما ما يعود من نفع أو ضرر على الآخرين، فإنه يكون أقل أهمية، وبعض الأحيان، يمكن التجاوز عنه كلية. وهذا النوع من السلوك نصادفه في العديد من جوانب الحياة. فمن يتهرب من دفع الضرائب، ويضر بالتالي الاقتصاد الوطني حيث تتضاءل معه قدرة الدولة على تقديم الخدمات، وبالتالي يناله – شخصياً وإن يكن بشكل غير مباشر نوع الضرر- ولكنه لا يبالي بكل ذلك، ذلك أن ما يعود عليه من نفع مباشر بالتهرب من دفع الضريبة أكبر بكثير مما ينعكس عليه شخصياً من ضرر بتدهور الخدمات العامة.  ونفس الشيء بالنسبة لراكب القطار الذي يتهرب من دفع ثمن التذكرة، رغم علمه بأن هذا الفعل – إذا انتشر – سوف يؤدي إلى إفلاس وتدهور خدمة النقل، ولكنه لا يبالي، لأنه مصلحته المباشرة في التهرب من دفع ثمن التذكرة أكبر من الضرر الذي يعود من تدهور الخدمات العامة. وتعرف هذه المسألة في الاقتصاد بقضية الراكب المجاني Free Rider ، والمقصود بها أنه في كثير من الأحيان يتم التضحية بمصلحة عامة هامة من أجل مصلحة خاصة مباشرة، ولكنها هي العنصر المؤثر عند اتخاذ القرار.

ولنعد الآن إلى التعاون الاقتصادي العربي وماذا يمكن أن يؤدي إليه. لا يقتصر التعاون الاقتصادي وتعزيز التجارة البينية بين الدول العربية على مجرد فتح الحدود وإزالة القيود الجمركية، وغير الجمركية وإنما يعني فوق ذلك وضع العديد من القيود والضوابط على حرية البلدان في الكثير في قراراتها الاقتصادية بل وربما السياسية أيضاً. فأنظر مثلاً إلى اتفاقية “ماسترخت” الأوروبية التي وضعت للدول الداخلة في منطقة اليورو عدداً من القيود على حجم عجز الموازنة العامة للدولة، ومستوى التضخم في كل دولة، ومعدل الدين الداخلي. فلكي تدخل الدولة الأوروبية في اتفاقية توحيد العملة الأوروبية كان عليها أن تتنازل عن العديد من مظاهر سيادتها الوطنية في سيادتها المالية والنقدية. كذلك فقد ترتب على هذا الاتفاق إنشاء بنك مركزي أوروبي موحد ومستقل عن الحكومات يختص بوضع السياسة النقدية للمنطقة. وهكذا ينطوي التعاون الاقتصادي على قيود ليست قليلة على سيادة كل دولة. وقبل ذلك وفي سبيل توحيد السوق الأوروبية تم الاتفاق على إنشاء ما يسمى بالسوق الموحدة Single Market واحتاجت الدول الأوروبية إلى توحيد وتنسيق مئات الإجراءات والقواعد في المواصفات والمقاييس، وفي النظم الضريبية والمحاسبية. وهكذا فإن التعاون الاقتصادي والتقارب لتكوين اقتصاد موحد يفترض توحيد العديد من الإجراءات والسياسات، وبالتالي يترتب عليه أن تفقد الدول الكثير من امتيازاتها السيادية في الأمور الاقتصادية وأحياناً الأمنية. فقواعد دخول الأجانب بدأت تتوحد في معظم دول أوروبا كجزء من سياسة التوحيد الاقتصادي، الأمر الذي يحد من حرية وزير الداخلية في سيادته الأمنية داخل بلده. وهكذا، هناك قائمة طويلة من الإجراءات والنظم الموحدة، والتي تعني في النهاية شيئاً محدداً وهو أن مزيداً من الوحدة الاقتصادية يعني مزيداً من التنازل عن بعض مظاهر السيادة. وهذا التنازل عن أجزاء من السيادة الوطنية هو نوع من التكلفة التي ينبغي دفعها حتى تتحقق الوحدة الاقتصادية.

وإلى جانب هذه التكلفة السياسية للتوحيد الاقتصادي، هناك تكلفة اقتصادية أخرى تتحملها بعض القطاعات والمشروعات الاقتصادية. ففي كل بلد توجد صناعات وطنية تتمتع بدرجة أو أخرى من الحماية الجمركية لضمان السوق المحلي أو جزء كبير منه. وليست كل هذه الصناعات دائماً منافسة أو على درجة كبيرة من الكفاءة. ولذلك فإن فتح الأسواق في هذه الصناعات أمام صناعات الدولة الشقيقة يمكن أن يضر بهذه الصناعات المحلية، رغم أن هذا قد يعود بالكسب على جمهور المستهلكين الذي سوف تتاح له سلع أخرى بأسعار أفضل وربما بنوعية أحسن. ومع ذلك يظل الضرر الذي يصيب هذه الصناعات ضرراً كبيراً ومباشراً، وربما يؤدي إلى إفلاسها، ولا يخفف من عبء هذا الخطر، القول بأن جمهور المستهلكين قد أصبح أحسن حالاً. فمن وجهة نظر أصحاب المشروع تهددت استثماراتهم أو قلت أرباحهم نتيجة هذا التعاون الاقتصادي.

وهكذا يتضح لنا أن الوحدة الاقتصادية – رغم منافعها الكبيرة – ليست مجانية بل إن لها تكاليف سياسية واقتصادية. ورغم أن المنافع الكلية للوحدة الاقتصادية أكبر بكثير من هذه التكاليف والأعباء المحددة، إلاّ أن أعباء هذه التكاليف تقع على قطاعات أو عناصر تجعلها تتأثر بها بشكل كبير وبذلك تقف أمام التوحيد الاقتصادي حيث أنها تدفع ثمناً مباشراً وكبيراً. فما هي هذه القطاعات أو العناصر التي تتأثر سلباً من التقارب الاقتصادي؟

هناك أولاً التكلفة السياسية للوحدة الاقتصادية. سبق أن أشرنا إلى أن الوحدة الاقتصادية تتضمن التنازل عن بعض مظاهر السيادة الوطنية، ولذلك فإن الفئات الحاكمة، تعتبر أكثر العناصر تأثراً بالوحدة الاقتصادية، ويظهر ذلك بشكل أكبر عندما يغلب العنصر الشخصي على شكل الحكم وتقل المظاهر المؤسسية والديمقراطية. ففي مثل هذه الحالة لا تكون السيادة مجرد مظهر من مظاهر استقلال الدولة بل إنها تكاد تكون نوعاً من الامتياز الخاص للحاكم أشبه بالملكية الخاصة يتصرف فيها وفقاً لأهوائه، ولذلك فإن أي قيد على ممارسة السيادة هو أقرب ما يكون قيداً على سلطاته الشخصية وامتيازاته الخاصة ونفوذه في بلاده. ولذلك فقد تطلب نجاح الوحدة الأوروبية منذ معاهدة روما 1957 لإنشاء السوق الأوروبية المشتركة، أن اشترطت المعاهدة أن تكون الدول الداخلة في السوق دولاً ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان. ففي هذه الدول لا تعتبر مسائل السيادة مسألة شخصية للحاكم يتمتع بها كما لو كانت حقاً وامتيازاً خاصاً له، بل هي مجموعة من الاختصاصات المؤسسية، وبذلك فإن القبول بهذه القيود لا يفقده شخصياً الكثير من السلطات والمزايا إذا كان الشعب عبر مؤسساته الديمقراطية راغباً في الوحدة الاقتصادية. بل إن عدم الاستجابة لهذه الرغبة الشعبية في مثل هذه الحالة قد يفقده منصبه في أول انتخابات. وهكذا فإن وجود نظام ديمقراطي ورغبة شعبية للتوحيد الاقتصادي تزيل عقبة التكلفة السياسية المتعلقة بالتنازل عن جزء من السيادة. بل وكثيراً ما تكون حافزاً للحاكم للقبول بالوحدة الاقتصادية نزولاً على الرغبة الشعبية. أما في دولنا، وحيث مازالت الديمقراطية بعيدة عن التحقيق، فإن أي تنازل عن أي مظهر من مظاهر السيادة إنما هو تنازل عن سلطات ومزايا الحاكم شخصياً، ولا أحد يرحب بوضع القيود على حرياته وسلطاته. فإذا أضفنا إلى ذلك، أن الدعوة إلى الوحدة الاقتصادية – وخاصة في الخمسينات والستينات – قد جاءت مصاحبة للدعوة إلى القومية العربية الشاملة. وجوهر الوحدة العربية الشاملة هو رفض الاعتراف بالحدود السياسية للأقطار العربية، والتأكيد على أن وجود هذه الأقطار إنما هو عمل اصطناعي من نتائج الاستعمار. وقد جاءت هذه الدعوة إلى القومية العربية في ذلك الوقت من حكومات جاء أغلبها بانقلابات عسكرية وتسعى لتنفيذ مخططاتها التوسعية عن طريق المخابرات والانقلابات. وإزاء هذا الوضع كيف يطمئن حاكم لدولة صغيرة حديثة بأن يفتح حدود بلده ويتنازل عن جزء من سيادته لصالح اتجاه يروج أن وجود دولته هو أصلاً عمل اصطناعي وأثر من آثار الاستعمار؟ وهكذا تكاتف نقص الديمقراطية من ناحية، وشيوع والريبة حول نوايا بعض النظم السياسية العربية فيما بينها من ناحية أخرى، على إضعاف الحوافز لدى الكثيرين من الحكام على الاستجابة لدعوات التوحيد الاقتصادي. وإذا كانت هذه الظروف قد تغيرت إلى حد بعيد بعد حرب 1967، فلا ينبغي أن نتجاهل أن ذاكرة الشعوب والحكام لا تتلاشى بسهولة وتظل ذكريات الماضي قائمة في الأذهان. ومن هنا فقد عانت محاولات التعاون الاقتصادي العربي في السبعينات والثمانينيات من ذكريات الخمسينات والستينات. وبعد تدفق الثروة النفطية في منتصف السبعينات أضيف سبب جديد للتردد السياسي لدى الدول العربية النفطية حول معنى الوحدة العربية، فقد ثار في ذلك الوقت حديث عن “نفط العرب للعرب”، وهو ما ينطوي – على نحو ما – على الإشارة إلى الرغبة في المشاركة في الثروة النفطية، الأمر الذي دعا كثير من أبناء الدول النفطية إلى التمسك بمزيد من “الوطنية المحلية” والتخوف من دعوات الوحدة. وهكذا نستطيع أن نفهم جزئياً أسباب انعدام أو نقص الإرادة السياسية لتحقيق الوحدة الاقتصادية بين الدول العربية. فهي تمثل حيناً انتقاصاً من مزايا وسلطات الحاكم الشخصية، وهي حين آخر تتضمن إيحاءات للمشاركة في ثروات بعض البلدان الغنية.

وإذا انتقلتا إلى التكاليف الاقتصادية والمتمثلة في مقاومة بعض أصحاب الصناعات المحلية للمنافسة من صناعات عربية شقيقة، فإن هذه المصالح وإن كانت عادة قليلة العدد إلا أنها – ككل أقلية – تكون عادة منظمة ومرتفعة الصوت. ومع عدم توافر الجو الديمقراطي الكافي، فإن هذه الأصوات تؤثر عادة في مصدر القرار السياسي. وبحيث يبدو أن التعاون الاقتصادي العربي كنوع من التضحية بالصناعة الوطنية. وهكذا يظهر على السطح تعارض بين مزيد من التعاون الاقتصادي العربي وبعض المصالح المحلية. وهو تعارض لا يجوز التجاوز عنه، فليس المقصود بذلك هو تجاهل هذه المصالح، وإنما فهم التعاون الاقتصادي على حقيقته.  فهي عملية وإن كانت تؤدي إلى منافع كبيرة للأمة العربية إلا أنها تولد أيضاً تكاليف وأعباء ولابد من وضع آليات لتعويض الأطراف المتضررة عن هذه الأعباء. وقد تنبه الأوروبيون منذ البداية إلى أن التوحيد الاقتصادي سوف يؤدي، بالضرورة إلى الإضرار ببعض القطاعات أو الفئات، ولذلك حرصت اتفاقيات التعاون الأوروبي على تخصيص مبالغ وموازنات مناسبة لتعويض وتأهيل القطاعات التي يمكن أن تتضرر من التقارب الاقتصادي. وهو ما تأخذ به حالياً دول الاتحاد الأوروبي في توسعها لإدخال دول جديدة في وسط وشرق أوروبا، حيث خصصت موازنة الاتحاد مبالغ هامة لتأهيل هذه الدول لدخول الاتحاد دون أن تتحمل أو يتحمل بعض قطاعاتها لأعباء وتضحيات كبيرة.

حقاً، يحقق التعاون الاقتصادي العربي مصلحة كبرى للدول العربية في مجموعها ولكل دولة على حدة. ولكن هذا التعاون ليس مجرد منحة مجانية بل إن له ثمناً وتكلفة، وتظل فوائد ومنافع التعاون الاقتصادي العربي أكبر بكثير من أعبائه وتكاليفه. وهذه الأعباء والتكاليف غير موزعة بشكل متساو بل تتحملها أطراف أكثر من غيرها. وتلجأ هذه الأطراف التي تضار – بشكل أو بآخر – من التعاون الاقتصادي إلى الأسلوب المنطقي وهو عرقلة هذا التعاون حماية لمصالحها. والمطلوب ليس تجاهل هذه المصالح أو التغاضي عنها، وإنما التعامل معها بأكبر قدر من الحصافة والعقلانية. فأما المصالح السياسية المرتبطة بامتيازات السلطة الشخصية والقيود على السيادة فلا علاج لها إلا مع وجود نظم ديمقراطية تقدم المزايا الاقتصادية للأفراد على مظاهر السيادة للحكام. وأما المصالح الاقتصادية للقطاعات والمشروعات التي تتأثر سلبياً فلابد من إيجاد آليات انتقالية للتعويض والتأهيل. ودون ذلك سيظل الحديث عن التعاون الاقتصادي كلمات تقال ولا فعل يتحقق.

ونخلص مما تقدم بالقول بأنه من الصعب اعتبار المنطقة العربية كمنطقة أو وحدة اقتصادية تعرف “اقتصاداً عربيا”ً، وأن ما نعاصره في المنطقة العربية هو مجرد مجموعة من الاقتصادات العربية المنفصلة والمندمجة في الاقتصاد العالمي بأكثر مما هي مندمجة فيما بينها. وأن هذه التجزئة لها أسبابها، وهي أن هناك قطاعات سياسية واقتصادية مؤثرة ترى أن مزيداً من التقارب الاقتصادي – ورغم أهميته على مستوى الأمة- يكلفها أكثر من غيرها أعباء وتضحيات. ولذلك فإن الدعوة إلى الوحدة الاقتصادية العربية تتطلب العمل على مزيد من الأخذ بالممارسات الديمقراطية وحيث لا تصبح قضية السيادة الوطنية مصلحة شخصية للحاكم، وحيث يؤكد النظام الديمقراطي التوجه السلمي لتطلعات الشعوب ويستبعد الأطماع والتفكير الانقلابي في علاقات الدول العربية. كذلك يتطلب الأمر الاعتراف بأن التقارب الاقتصادي ليس هدية بلا ثمن، بل هناك بعض القطاعات التي يمكن أن تضار والتي ينبغي تعويضها وتأهيلها لقبول هذا التقارب الاقتصادي. فالوحدة الاقتصادية – شأنه الكثير من أمور الحياة – لها تكلفة وبعض التضحيات، ولكن النفع من ورائها يفوق هذه التكلفة أو تلك التضحيات، ويشترط أن تتخذ هذه الإجراءات المناسبة ووضع الآليات السليمة لتحقيق هذا الهدف الكبير. والله أعلم


(*)     مستشار صندوق النقد العربي

مجلة العربي: يونيو 2003

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *