هل يتجاوز اقتصاد السوق الأزمة المالية؟

ألحقت الأزمة المالية العالمية صفعة شديدة لاقتصاد السوق والحرية الاقتصادية، وبدأ التساؤل في مختلف الأوساط عمّا إذا كانت هذه الأزمة سوف تؤدي إلى سقوط “اقتصاد السوق”، أم أنها سوف تقتصر على تعديلات جوهرية في النظام القائم بما يعطيه حصانة وقوة بحيث يخرج في شكل جديد أكثر قدرة وصلابة؟ هذا هو السؤال.

وقبل أن نحاول أن نجيب على هذا التساؤل، فقد يكون من المفيد أن نوجه النظر إلى أن هذا التساؤل كثيراً ما يطرح بألفاظ أخرى وبحيث لا يقتصر الخلاف اللفظي على مجرد خلاف شكلي بل أنه يشير في الغالب إلى خلاف أشد عمقاً. فكيف ذلك؟

اقتصاد السوق أو الاقتصاد الرأسمالي:

كثيراً ما يطرح التساؤل ـ كما ورد في عنوان المقال ـ عما إذا كان اقتصاد السوق قادراً على تجاوز الأزمة. هذه هي الصيغة الأولى للتساؤل، ولكن التساؤل يطرح أيضاً بصيغة مختلفة، وهي هل النظام الرأسمالي قادر على تجاوز أزمته الحالية؟ وعندما يطرح التساؤل بهذه الصيغة الثانية فإنه غالباً ما يخفى تساؤلاً إيديولوجياً بالتساؤل عما إذا كانت الرأسمالية مرحلة من مراحل التطور الاقتصادي، وهل آن أوان انتهاء هذه المرحلة؟ وبذلك تغلب على المناقشات الاعتبارات المذهبية مما يستحضر تاريخ الصراع الطويل بين الرأسمالية والاشتراكية. وقد طرحت السؤال في هذا المقال عمداً عن “اقتصاد السوق”، لأنني أعتقد أن السوق قد ظهرت لكي تبقى في حين أن ما يطلق عليه الاقتصاد الرأسمالي فهو مفهوم مطاط ذو طابع سياسي. أما اقتصاد السوق، فهو اقتصاد التبادل الذي يعتمد على الأسواق، وليس على سلطة مركزية، في توزيع جزء هام من الموارد الاقتصادية بين البشر.

فالتبادل هو استجابة لحاجة بشرية أصيلة، وقد اعتبر آدم سميث أن التبادل أحد أهم بواعث السلوك البشري وذلك في كتابه “نظرية الشعور الأخلاقي”. ولم يكن غريباً، والحال كذلك، أن جعل آدم سميث من “تقسيم العمل” وبالتالي ضرورة التبادل أساس كتابه الرئيسي عن “ثروة الأمم”.  وليس صحيحاً أن آدم سميث هو “أبو السوق” أو هو مؤسس اقتصاد السوق، فالصحيح أن سميث هو “ابن السوق”. فالسوق نشأت قبل سميث بآلاف السنين، وكان دور سميث هو مجرد محاولة لفهم السوق وترشيدها. فالتبادل ظاهرة بشرية تاريخية، ولا أحد يعرف متى بدأت على وجه التحديد، ولا كيف كانت صورها الأولى. فالتبادل ظهر في مختلف الجماعات البشرية بشكل تلقائي استجابةً لحاجات المجتمع وتطور ببطء لمواجهة هذه الاحتياجات المتغيرة. وجاء ظهور “السوق” كمرحلة متقدمة من عمليات التبادل، وبما أعطى لهذه المبادلات “ملتقى” معروف ومجموعة من القواعد العرفية الواجب احترامها. وهكذا لم ينشأ مفهوم “السوق” نتيجة اختراع لعبقري أو اكتشاف لمفكر أو منظر، وإنما جاء كعديد من الظواهر الاجتماعية الأخرى ـ مثل اللغة والكتابة ـ استجابة لحاجة المجتمع.

السوق والتاجر:

وإذا كانت السوق ظاهرة اجتماعية فإن وراءها شخصية هامة وهي التاجر. فالتاجر ليس مجرد بائع أو مشتري عرضي في السوق، ولكنه محترف للبيع والشراء يعيش في السوق، وهو يشتري السلعة من أجل إعادة بيعها، فالسوق هي حياته. وهذا التاجر هو المحرك الأساسي لمفهوم السوق وتطوره. فالسوق نفسها بدأت عندما بدأ عدد من التجار في البيع من مكان محدد وربما في أوقات محددة. ولم يلبث هذا “التاجر” أن ساعد على ظهور النقود التي تقبل في المعاملات بدلاً من الاعتماد على المقايضة الأكثر تعقيداً. فالنقود ولدت في معظم الأحوال على أساس السلعة التي يقبلها التجار في تعاملهم. وبعد ذلك بدأ التجار من أجل توسيع مبيعاتهم بالبيع بالأجل والاقتراض فيما بينهم مما أرسى الأساس لبداية فكرة الائتمان وظهور الأصول المالية بشكل عام. وهكذا ارتبط التبادل (التجارة) بنشأة وتطور السوق والنقود والائتمان.

اقتصاد السوق ليس له كتاب مقدس:

يتضح مما تقدم أن نشأة اقتصاد السوق جاءت كتطور تاريخي طبيعي تعبيراً عن حاجة اجتماعية نتيجة لتقسيم العمل بين الأفراد والجماعات، ومما أدى إلى مزيد من كفاءة الإنتاج وحسن استخدام الموارد الاقتصادية. وترجع قوة اقتصاد السوق إلى أنه ليس صيغة جامدة بقدر ما هو مفهوم مرن ومتحرك. فاقتصاد السوق ـ والحال كذلك ـ هو ابن التطور، لم يصممه أحد ولم تفرضه سلطة بل أنه ولد استجابةً للحاجة إلى المبادلات وتطور معها. واقتصاد السوق، بهذا الشكل، كيان مرن ليس له كتاب مقدس. وقد فشلت معظم محاولات القضاء على السوق وغالباً ما أدت إلى عكس المقصود، إذ لن تلبث أن تظهر هذه السوق بأشكال خفية أشهرها السوق السوداء.

السوق والدولة:

في ضوء كل ما تقدم، فإن السؤال يطرح نفسه هو هل تستطيع “السوق” أن تتعايش وأن تتطور لما بعد الأزمة المالية والتي كشفت عن عيوب خطيرة في النظام الاقتصادي القائم؟ هذا هو السؤال. وقبل الإجابة على هذا السؤال علينا أن نتذكر شيئاً هاماً وهو أن “السوق” كظاهرة اجتماعية لم تنشأ في فراغ وإنما صاحبها دائماً ظاهرة مكملة وهي وجود “السلطة السياسية” والتي أخذت في صورتها المعاصرة شكل الدولة. فالسوق لا تعمل في جو من الفوضى ولا وجود لها دون قواعد متفق عليها ومحترمة من الجميع،. ففكرة السوق تقوم أساساً على احترام حقوق الملكية وحرية التعاقد، ودون ذلك لا وجود للسوق. ولكن من ناحية أخرى فإنه لا وجود الحقوق والحريات دون سلطة تحميها. ولذلك لم يكن غريباً أن جاء ظهور الرأسمالية في القرن السادس عشر معاصراً لظهور الدولة الحديثة. وبذلك كان ازدهار السوق الرأسمالية وتوسعها مصاحباً لظهور الدولة الحديثة، ومن ثم فإنه لا يمكن الحديث عن “اقتصاد السوق” انعزالاً عن الحديث عن “الدولة”. وإذا كان التلازم بين وجود “السوق” وسلطة “الدولة” أمراً لا مفر منه، فإن شكل وحدود العلاقة بين “الدولة” و”السوق” قد تتغير وفقاً للظروف وذلك بتوسيع أو تضييق دور الدولة. السؤال ليس في ضرورة الدولة لاستمرار السوق، وإنما في حدود هذا الدور.

دور الدولة يتغير دائماً مع السوق:

عرفت علاقة الدولة بالسوق تغيرات هامة في التاريخ الحديث. ففي القرن السابع عشر انتعش اقتصاد السوق في ظل حماية الدولة فيما عرف بالسياسة التجارية، وحيث كانت الدولة تتدخل في النشاط الاقتصادي لحماية الأسواق الداخلية من المنافسة الخارجية. وجاء الطبيعيون ومن بعدهم التقليديون يدعون إلى حرية التجارة. ومع ذلك، فسوف يكون من السذاجة الاعتقاد أن الدعوة إلى حرية التجارة كانت دعوة مطلقة أو أنها كانت تعني انزواء دور الدولة في الاقتصاد وعدم التدخل في الأسواق، بل لعل العكس هو الصحيح، فلم تنجح الثورة الصناعية في انجلترا وتتسع صادراتها إلا نتيجة لتدخل الدولة الدائم  في حماية أسواقها وبوجه خاص نتيجة لدور الأسطول البريطاني في الدفاع عن المصالح التجارية البريطانية وبالقوة إذا احتاج الأمر. وعندما بدأت ألمانيا ثورتها الصناعية مع بسمارك في نهاية القرن التاسع عشر، فقد أخذت الدولة الألمانية الوليدة بسياسة الحماية الجمركية مع فرض نظم تقدمية للضمان الاجتماعي للعمال. كذلك فإن أهداف السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية عند الاستقلال، وكما أعلنها وزير الخزانة ـ هاملتون ـ تركزت على توفير الحماية للصناعة الأمريكية الوليدة. بل أن انجلترا والتي نادت بنظام الحرية الاقتصادية، فإنها لم تفعل ذلك إلا بعد أن تأكدت من تفوق الصناعة البريطانية. ورغم إعلان هذه الحرية الاقتصادية فقد حرصت نفس الحكومة البريطانية على فرض حماية مع مستعمراتها مع التمتع بامتيازات تجارية خاصة بها. وعندما وقعت الأزمة العالمية في 1929، فإن مبادئ حرية السوق لم تمنع سياسة روز?يلت التدخلية في زيادة الإنفاق الحكومي، وهو ما طالب به الاقتصادي البريطاني كينز، ونفذه عملاً هتلر في ألمانيا. كذلك استمرت الدول الغربية لما بعد الحرب العالمية الثانية في الأخذ بسياسات تدخلية شديدة حتى أن انجلترا وكذا فرنسا ومعظم دول أوربا الغربية أممت البنوك ومعظم الصناعات الرئيسية. وفقط مع وصول السيدة /تاتشر إلى الحكم في انجلترا ثم مع ريجان في أمريكا أعيدت الحسابات وتراجع دور الدولة وتحرر النشاط الخاص من العديد من القيود. وبعد أقل من عقدين على هذا الاتجاه الأخير جاءت الأزمة المالية مبينة خطورة تخلي الدولة عن دورها الطبيعي في الرقابة والإشراف وترك الحبل على الغارب للسوق. لقد عرفت الأسواق المالية خلال العقود الثلاث الأخيرة انطلاقاً بلا حساب وبلا قيود تقريباً مما لم يلبث أن انعكس ذلك في انحرافات في إدارة هذه الأسواق مع مظاهر من التهور وأحياناً من الغش والخداع مما أساء إلى هذه الأسواق ذاتها بل وهدد أساسيات الاقتصاد الحقيقي نفسه.

وإزاء هذا التاريخ الحديث لاقتصاد السوق، فإنه لا يبدو أن اقتصاد السوق سوف يجد صعوبة الآن في التلاؤم مع الحقائق الجديدة. والسؤال: أين يبدأ الإصلاح؟ وماذا يفعل في القطاع المالي؟

القطاع المالي أشبه بسلعة عامة:

يقوم اقتصاد السوق على الاعتراف بحرية التعامل للأفراد في أموالهم ومواردهم الخاصة، بافتراض أن ذلك لا يؤثر على بقية أجزاء الاقتصاد الوطني. وقد أوضحت التجربة أن هناك من التصرفات الخاصة ما يكون لها تأثير خطير على بقية أجزاء الاقتصاد. ومن أوضح هذه المجالات قطاع الأسواق المالية. فليس صحيحاً أن التعامل في الأسواق المالية هو مجرد تعامل في أمور خاصة بل أن لهذا التعامل مسحة عامة يمكن أن تؤثر في الحياة الاقتصادية بشكل عام. لاشك أن السهم أو السند أو غيره من الأصول المالية هو حق على شركة محددة أو على مدين معين، وبالتالي يغلب عليه الطابع الخاص. ولكن عندما يتعلق الأمر بالتعامل في الأسواق المالية بشكل عام، وخاصة عندما يتعلق الأمر بطرح الأصول الصادرة من مؤسسات التمويل من بنوك أو شركات استثمار أو شركات تأمين في الأسواق، فإن الأمر لا يقتصر على التعامل في مديونيات خاصة وإنما يتعلق في الواقع في بالثقة في هذه المؤسسات المالية وبالتالي الثقة في الاقتصاد الوطني. فهذه المؤسسات تجمع من خلال الاكتتابات مدخرات الأفراد اعتماداً على الثقة التي تتمتع بها هذه المؤسسات المالية والتي تعمل في ظل رقابة الدولة. ومن هنا فإن هناك مسئولية على الدولة للتأكد من سلامة أوضاع هذه المؤسسات التي تستقطب أموال المواطنين. ولذلك فإن التعامل في الأصول المالية بين المؤسسات المالية ليس أمراً خاصاً للتعامل بين الأفراد والمؤسسات الخاصة ولكنه ينطوي على حكم بالثقة في هذه المؤسسات وبالتالي الثقة في الاقتصاد في مجموعه. ولكل ذلك لا يمكن ولا يجوز أن يترك هذا النشاط دون قيود ودون رقابة وإشراف. لقد تركت المؤسسات المالية ـ إلى حد بعيد ـ تعبث في أسواق المال كما لو كان الأمر مجرد علاقات فردية متناثرة وليس مقامرة بمصادر التمويل في الاقتصاد وبالتالي في شريان الحياة الاقتصادية.

اقتصاد السوق قادر على تجاوز الأزمة:

يخبرنا التاريخ الاقتصادي أن “اقتصاد السوق” قد عرف ـ في السابق ـ أزمات ومحن كثيرة وقد استطاع التغلب عليها ليس بالمكابرة والجمود وإنما بقبول التلاؤم والتعديل والتعايش مع الظروف الجديدة. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة في أسواق المال أن بعض الممارسات تهدد وجود أسس الاقتصاد نفسه، ولا تملك أية دولة إلا أن تتدخل حماية لاقتصادها الوطني، وليس أمام اقتصاد السوق مفراً من الانصياع. ولحسن الحظ فإن اقتصاد السوق لا يعرف “مقدسات”، باستثناء ضرورة الاستجابة لمتطلبات الحاجات الاجتماعية. اقتصاد السوق بطبيعته اقتصاد برجماتي انتهازي له مبدأ وحيد هو البقاء والاستمرار. فاقتصاد السوق كيان دارويني (نسبة إلى داروين) ليس له من هدف سوى البقاء، أما الشكل فهو قابل للتعديل والتغيير. ويكفي أن نتأمل التغيرات التي لحقت باقتصاد السوق حولنا. فما قيل عنه أنه الاقتصاد الرأسمالي في القرن التاسع عشر فإنه يبدو شيئاً مختلفاً تماماً في القرن العشرين، كما أن النظام الاقتصادي في الولايات المتحدة ليس مطابقاً للوضع في الدول الاسكندنافية، وكلها مع ذلك اقتصاديات للسوق. اقتصاد السوق عباءة واسعة تتحمل الكثير من التغيرات. ولذلك فإن اقتصاد السوق سوف ينجح ـ على الأغلب ـ على تجاوز الأزمة، ولكنه سوف يخرج منها شيئاً مختلفاً وغالباً سيكون أكثر تهذيباً. وليس معنى ذلك أن الأزمة هينة أو أن نهايتها قريبة. والله أعلم.

الشروق: 17/03/2009

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *