هل يحابي الدستور الإخوان المسلمين؟

 

قد يبدو العنوان غريباً. فمن المعقول أن نقول – مثلاً – أن الدستور يحابي الحزب الوطني، ولكن أن يحابي الإخوان المسلمين فهذا ما يبدو مستبعداً إن لم يكن مستحيلاً. فالأقرب إلى المنطق القول بأنه يتحيز ضدهم لاستبعادهم كلية من العمل السياسي. ولكن، لماذا لا نعود إلى النصوص، ونقرأها بعناية، ونرى أين يقف الدستور حقيقة من الإخوان المسلمين.

ماذا يقول الإخوان فيما يتعلق ببرنامجهم السياسي؟ أنهم يختصرون دعوتهم في شعار “الإسلام هو الحل”. ولكن ماذا يعني هذا الشعار من الناحية العملية. أنه لا يعني أن الإخوان سيقومون بالدعوة لنشر الإسلام أو لتحويل غير المسلمين إلى مسلمين. لا، ليس هذا هو المقصود. عندما نسألهم عن الهدف المقصود من هذا الشعار، فإن الإجابة تكون عادة قصيرة وواضحة، وهي الأخذ بما شرعه الله أي تطبيق الشريعة الإسلامية. فبدلاً من استيراد القوانين من الدول الغربية مثل القوانين اللاتينية من فرنسا ثم القوانين الإنجلوسكسونية منذ حوالي عقدين من الزمان، لماذا لا نعود إلى جذورنا وهي الشريعة الإسلامية؟ هذا فيما يبدو لي هو دعوة الإخوان وإذا كان هذا هو مطلب الإخوان المسلمين الحقيقي وربما الوحيد، فماذا يقول الدستور. تنص المادة الثانية من الدستور على أن:

“الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.”

وفي خلال هوجة التعديلات الدستورية، وقفت الحكومة موقفاً صلباً ضد المطالبات بإعادة النظر في هذه المادة، وأصرت على ضرورة الإبقاء عليها. ومعنى ذلك أن العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية وتعديل القوانين القائمة لتحقيق انسجامها مع هذه الشريعة هو مطلب دستوري، ولا يمكن الاعتراض على من يطالب بذلك، حتى لو كان من الإخوان المسلمين. فماذا لو تقدم غداً أو بعد غد نفر من الإخوان المسلمين أو من غيرهم يطلب من لجنة الأحزاب الموافقة على حزب يدعو إلى صيانة الدستور وحماية مبادئه وخاصة المادة الثانية، وأنه بالتالي سوف يعمل بالوسائل السلمية والديمقراطية من أجل أن تصبح الشريعة الإسلامية هي أساس التشريع فعلاً كما يقضي الدستور. فماذا يمكن أن تفعل لجنة الأحزاب إزاء ذلك؟ لا يمكن أن ترفض الطلب، فهو طلب متفق تماماً مع نصوص الدستور بل أنه يعمل على تفعيل إرادة المشرع الدستوري. وإذا رفضته لجنة الأحزاب، وتم الطعن أمام القضاء، فماذا يستطيع القضاء أمام فريق من المواطنين يعملون من أجل تحقيق وتنفيذ المبادئ المنصوص عليها في الدستوري؟ الطلب فيما يبدو مشروعاً تماماً ويتفق مع مبادئ الدستور.

وقد يرد البعض أن الدستور قد احتاط لذلك وأفرد نصاً “للمواطنة” وأنه لا يجوز بالتالي أن تقوم أحزاب سياسية على أساس من الدين، كما أنه لا يمكن التمييز بين المسلمين وغير المسلمين. وهكذا، فإن هذا الاحتمال مردود عليه ويمكن رفضه استناداً إلى الدستور أيضاً. ولكن هل هذا صحيح؟ أم أن هذه الحجج هي أيضاً حجج واهية لا تصمد أمام التحليل؟

أولاً الدعوة إلى تطبيق الشريعة لا يعني إطلاقاً التمييز بين مسلم وغير مسلم، فهي ستنطبق على الجميع دون تفرقة، كما هو الحال بالنسبة لقوانين المواريث حالياً. وهكذا فالسارق تقطع يديه سواء أكان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً لا فرق. وبالتالي فإنه لا محل للاعتراض بالقول بأن مثل هذا الحزب يؤدي إلى التمييز في المعاملة بين المواطنين.

ولكن ماذا عن المادة 40 من الدستور التي تحظر أي نشاط سياسي أو حزبي أو قيام الأحزاب على أساس الدين. أليست المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية هي نشاط سياسي أو حزبي على أساس ديني وبالتالي يصبح محظوراً وفقاً لنص الدستور (مادة 40). كلا، ليس بالضرورة. ونصوص الدستور نفسه تؤكد أن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية ليس بالضرورة من قبيل النشاط السياسي على أساس ديني. فهناك فارق بين الدين والشريعة. كيف؟

الشريعة والدين ليسا بالضرورة أمرين متلازمين، فالدين يتناول أمور العقيدة في الإيمان بالله والحساب واليوم الآخر وكل ما يتعلق بالعقائد الكلية للخلق والكون، كذلك يتناول الدين أمور العبادات ومراسيم القيام بها من صلاة أو صوم أو غير ذلك. أما الشريعة فإنها تمثّل نظاماً قانونياً لمعاملات الأفراد، فهي تعني بإدارة أحوال الناس في معيشتهم اليومية، ويطلق عليها في كتب الفقه قواعد المعاملات، من بيع وشراء، وزواج ومصاهرة، وتنظيم العقود المختلفة وتحديد الجرائم وعقوبتها، والإجراءات، وغير ذلك مما ينظم أمور الحياة اليومية. وليس من الضروري أن يتضمن كل دين شريعة.

فقد جاءت اليهودية مثلاً باعتبارها شريعة بالدرجة الأولى، وكلمة “توراة” معناها “القانون”. فالقانون الموسوي هو بالدرجة الأولى شريعة لتنظيم لعلاقات الأفراد، فاليهودية هي شريعة أكثر مما هي دين، وهي وإن كانت تدعو إلى عبادة إله واحد، فإنها لم تعرف فكرة البعث والحساب في الآخرة، إلا في وقت متأخر ولدى إحدى الفرق اليهودية (الفارسيين) دون بقية اليهود. وعلى العكس جاءت المسيحية باعتبارها دينياً أكثر منها شريعة. فالسيد المسيح يدعو إلى إعطاء “ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. فمملكة المسيح هي في السماء وليست في هذه الدنيا،ولذلك فإن المسيحية لم تحفل كثيراً بوضع شريعة أو نظام قانوني للعلاقات الاجتماعية. وما وضع فيما بعد هو “القانون الكنسي” الذي صدر عن الكنيسة، وليس عن السيد المسيح. وجاء الإسلام أخيراً باعتباره ديناً وشريعة في نفس الوقت، فالإسلام لم يكتف بوضع أسس العقيدة في التوحيد والإيمان باليوم الآخر وبالملائكة والرسل والبعث والحساب، ولكنه تضمن أيضاً تنظيماً قانونياً للعديد من أمور الحياة الدنيا من بيع وشراء وزواج وطلاق.

وهكذا جاء الإسلام جامعاً لمعنى الدين والشريعة. الدين يتعلق بالعقيدة، ويلحق بها العبادات، أما الشريعة فهي تتعلق بتنظيم المعاملات بين الأفراد في حياتهم اليومية. فالشريعة هي قواعد المعاملات وهي ليست العقيدة. وقد جاءت أحكام الشريعة غير مفصلة في القرآن، وقام على تطويرها وتأصيلها الفقه الإسلامي. فالشريعة الإسلامية هي نظام قانوني للمعاملات، شأنها في ذلك شأن النظم القانونية الأخرى المعروفة في العالم. فهناك القانون الروماني والذي تطور من خلال ممارسة طويلة في الدولة الرومانية معتمداً على العادات والتقاليد وأعمال (البريتور) الذي كان مسئولاً عن الفصل في المنازعات، حتى تمّ في تدوينها فيما عرف بمدونة جايوس. ومن هذا النظام القانوني الروماني ولدت النظم القانونية اللاتينية وخاصة القانون الفرنسي والإيطالي. وهناك أيضاً النظام القانوني الإنجلوسكسوني الذي اعتمد بدرجة كبيرة على العرف كما قننه القضاء. فالمصدر الرئيسي للقانون الإنجليزي هو السوابق القضائية. أما الشريعة الإسلامية فهي وإن استندت إلى القرآن الكريم، فهي في أكثرها من عمل الفقه. فالجزء الأكبر من الشريعة الإسلامية هو اجتهاد الفقهاء بمختلف مذاهبهم في تفسير القرآن. وهكذا فإنه وفقاً للتفسير المتقدم فإنه يمكن النظر إلى مبادئ الشريعة الإسلامية باعتبارها نظاماً قانونياً يقف على قدم المساواة مع النظم القانونية العالمية. ولذلك فإن الأخذ بها لا يعني إدخال الدين في السياسة بل أن الدستور نفسه يأخذ بهذا التفسير لمبادئ الشريعة الإسلامية. فهو ينص في المادة الثانية على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع” وينص في المادة 40 على حظر قيام نشاط سياسي على أساس الدين، ولا يرى أي تعارض بين النصين. فالدستور المصري الذي يحظر العمل السياسي أو الحزبي على أساس الدين، هو نفسه الذي ينص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع”. أي أن الدستور ينظر إلى هذه المبادئ باعتبارها تعبيراً عن نظام قانوني وليس باعتبارها ديناً. وبذلك فإنه وفقاً للدستور لا تعارض بين الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وبين عدم خلط السياسة بالدين. وهذا هو بالضبط ما تدعو إليه جماعة الإخوان المسلمين في أن “الإسلام هو الحل”.

أليس ممن المنطقي أن نخلص مما الشرح المتقدم بأن الدستور المصري بشكله القائم يحابي – في الواقع – الإخوان المسلمين؟

ولكن كيف يحدث ذلك وكلنا يعرف أنه لم يكن في نية واضعي الدستور محاباة الإخوان بل لعل العكس هو الصحيح. فكيف حدث ذلك، وانتهت الأمور إلى عكس المقصود.

السبب يرجع في الواقع إلى أمرين، الأمر الأول أن الدعوة إلى الدولة المدنية لم تكن خالصة تماماً من جانب الدولة وأنه قد صاحبها رغبة في المزايدة على العواطف الدينية وكسب رضاء الغالبية من الجمهور. أما الأمر الثاني فهي أن الدولة تستعين في صياغة قوانينها بعدد من الخبراء – المعروفين في وسط المعارضة تحت اسم “الترزية” – وهم رغم خبرتهم الكبيرة في مسائل الصياغة التفصيلية فإنه تنقصهم النظرة الكلية الواسعة.

فأما الأمر الأول، فقد جاء إدخال “مبادئ الشريعة الإسلامية كالمصدر الرئيسي للتشريع” ليس لإيمان حقيقي بهذا المبدأ بقدر ما هو لدغدغة عواطف المصريين وكإغراء لهم لتمرير فتح مدد رئاسة الدولة لأكثر من فترتين كما جاء دستور 1971 عند وضعه. وهكذا أدخل هذا التعديل لغرض آخر في نفس يعقوب دون تفكير كاف للعواقب، وكإجراء انتهازي لتمرير صفقة فتح باب الرئاسة لفترات غير محدودة لرئيس الجمهورية.

وأما الأمر الثاني، فإنه لا يتطلب مزيداً من الشرح، وأعتقد أن الوصف الذي أطلقته العامة على هؤلاء المنفذين “كترزية” كافٍ، فهم ليسوا من كبار المصممين للأزياء Haut Couture مثل كبار مصممي الأزياء المعروفين في فرنسا أو إيطاليا، ولكنهم أقرب إلى الترزيه المنتشرين في مختلف مدن القُطر.

والسؤال، هل يستمر وضع الدستور على ما هو عليه؟ لا أستبعد أن يتقدم الإخوان أو غيرهم بطلب تكوين حزب برنامجه تنفيذ مبادئ الدستور وعلى رأسها المادة الثانية. وهنا قد نكون في حاجة إلى تعديل جديد في الدستور أو ربما دستور جديد تماماً.   والله أعلم

المصري اليوم: 02 أبريل 2007

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *