هل يستعيد مجلس الشعب حقه في تعديل الموازنة؟

تناقش هذه الأيام اقتراحات لتعديل بعض نصوص الدستور وخاصة المتعلقة بإعادة التوازن بين اختصاصات السيد رئيس الجمهورية وبين مجلس الوزراء. ولحسن الحظ فقد تضمنت الاقتراحات الجديدة إعادة النظر في المادة (115) والتي تحول دون قيام مجلس الشعب بتعديل الموازنة، وكانت نصوص الدساتير منذ الثورة قد حرمت هذه البرلمانات من هذه الحقوق. وأقصد بذلك حق البرلمان – مجلس الشعب – في تعديل مشروع الموازنة المقدم من الحكومة.

فتنص المادة 115 من الدستور القائم على أنه:

“يجب عرض مشروع الموازنة العامة على مجلس الشعب قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية. ولا تعتبر نافذة إلا بموافقته عليها. ويتم التصويت على مشروع الموازنة باباً باباً وتصدر بقانون ولا يجوز لمجلس الشعب أن يعدل مشروع الموازنة إلا بموافقة الحكومة، وإذا لم يتم اعتماد الموازنة الجديدة قبل السنة المالية عمل بالموازنة القديمة إلى حين اعتمادها.

ويحدد القانون طريقة إعداد الموازنة، كما يحدد السنة المالية”.

ولا تخفى أهمية الموازنة في تحديد حجم نشاط الحكومة وتوجهاته. فالدولة تقوم بنشاط – يضيق أو يتسع – وفقاً لما يتوافر لها من موارد مالية. والأصل أن الدولة لا تقوم بالإنتاج، ولذلك فليس لها – في العادة – موارد ذاتية للتمويل، وإنما تستخدم حقها في السيادة في فرض الضرائب وغيرها من الأعباء العامة على الأفراد لتمويل نشاطها لمصلحة الجماعة.

وقد تنبهت الشعوب مبكراً إلى ضرورة مشاركتها وقبولها لما يفرض لها من أعباء، وارتبط بما عرف في تاريخ الديمقراطية بأنه “لا ضرائب دون تمثيل شعبي” No taxation without representation. فالديمقراطية بدأت – في الواقع – عندما أصرت الشعوب على ضرورة موافقتها أو موافقة ممثليها على ما يفرض عليها من ضرائب وغيرها مـن الإيرادات ثم على كيفية التصرف في هذا الموارد، وبالتالي جاءت ضرورة للموافقـة الشعبيـة علـى كـل عناصـر الموازنة من إيرادات ونفقات. وهكذا أصبحت الموازنة ركناً أساسياً في كافة الدساتير الديمقراطية، وبحيث تصبح الرقابة الشعبية حجر الزاوية لضمان الإدارة المالية.

ومن هنا فإن جميع دساتير الدول الديمقراطية – وحتى بعض الدول غير الديمقراطية – تشترط موافقة ممثلي الشعب في البرلمان على الموازنة بشقيها في الإيرادات والنفقات. وبذلك تتحقق لممثلي الشعب الرقابة على نشاط الحكومات. والمقصود بهذه الموافقة أن تكون جادة وحقيقية، ولذلك فإن العادة قد جرت على أن تكون مناقشة بنود الموازنة هي أهم أعمال المجالس الشعبية وأكثرها حيوية وإثارة. وقد نصت الدساتير المصرية منذ دستور 1923 على هذا الأمر. وحق المجالس النيابية في الرقابة على الموازنة يتضمن الموافقة أو الرفض أو التعديل.

على أن الأمر تغير منذ قيام الثورة، فقد جاءت الدساتير – وكذا الإعلانات الدستورية – اللاحقة وقصرت حقوق المجالس الشعبية على الموافقة أو عدم الموافقة وأغفلت من ذلك حق هذه المجالس في التعديل بالإضافة والحذف. وربما كان القصد من وراء حرمان المجالس التشريعية من حق تعديل الموازنة، ما هو معروف من أن الموازنة كل متكامل ومتوازن، وأن أي إخلال ببعض العناصر قد يخل بالتوازن الكامل لها، ولذلك فإنه لا يمكن إجراء تعديلات جزئية دون أن يكون لها آثار إجمالية على باقي أجزاء وثيقة الموازنة.

ورغم ما في مثل هذه الحجة من بعض الصحة إلا أن حرمان مجلس الشعب من حق تعديل الموازنة يؤدي في العمل إلى إفراغ معنى الموافقة عليها من ممثلي الشعب، وبحيث تصبح هذه الموافقة شكلية خالية من أي مضمون. فالجزء الأكبر من أية موازنة في العالم يتعلق بأمور مقبولة لا خلاف حولها، وإنما يدور الخلاف عادة على بنود قليلة تثير الجدل. ولذلك فإنه مع حرمان ممثلي الشعب من حق تعديل الموازنة، فإنهم يجدون أنفسهم في موقف بالغ الصعوبة. فالغالب أن تكون هناك موافقة وبل وربما تأييد لمعظم بنود الموازنة – ربما أكثر من 90% – ولكن هناك بنداً أو اثنين يثيران الخلاف. فما العمل؟ هل يرفض المجلس الموازنة وبذلك يعطل استمرار دولاب عمل الحكومة أو حتى يمنع تنفيذ البنود الجديدة السليمة؟ أم يضطر للموافقة على الموازنة بما فيها من صالح وطالح لتسيير الأمور؟ الغالب هو أن يضطر المجلس في مثل هذه الأحوال للموافقة على الموازنة رغم ما فيها من عيوب. وهكذا تصبح موافقة المجلس شكلية وليست حقيقية. ولذلك فإن قصر حق المجلس النيابي على قبول أو رفض الموازنة دون حق التعديل يضر بالمصلحة العامة ويشجع على التحايل على نواب الشعب بتضمين الموازنة عناصر محببة لهم من أجل تمرير أمور أخرى لا رغبة لهم فيها.

بقي أن نشير إلى أن رقابة مجلس الشعب على الموازنة تتطلب كذلك ضرورة العودة إلى المبادئ المستقرة في المالية العامة وخاصة احترام مبدأ عمومية ووحدة الموازنة. وللأسف فإن عدداً من هذه المبادئ قد تم تجاهله في مصر منذ مدة، وإن تزايدت حدة هذا التجاهل خلال السنوات الأخيرة، مما جعل الموازنة – بصورتها القائمة – غير كافية لإعطاء صورة حقيقية عن نشاط الحكومة، بل في كثير من الأحيان ما تكون النتيجة هي صورة مشوهة وغير حقيقية وأحياناً كاذبة. ولعل من أهم المبادئ التي استقرت في علم المالية العامة هو مبدأ وحدة وعمومية الموازنة. والمقصود بذلك هو أن ترصد جميع الإيرادات والنفقات التي تقوم بها الحكومة ووحداتها المختلفة في وثيقة واحدة هي الموازنة، أما أن يجري توزيعها في وثائق متعددة أو حسابات منفصلة تحت مسميات مختلفة وبعضها لا يعرض أصلاً على البرلمان – فهذا خروج عن مبدأ وحدة وعمومية الموازنة، ويترتب عليه أن تعرض على مجلس الشعب صورة جزئية ومشوهة عن حقيقة ما تحصله الحكومة من مختلف الجهات أو ما تقوم بإنفاقه على أوجه الإنفاق المختلفة. وقد سبق أن أشرت إلى هذه القضية، ولكن لا بأس من التعرض لها من جديد.

وقد شاع خلال السنوات الأخيرة إنشاء صناديق خاصة تحصل إيرادات من مصادر محلية أو أجنبية وينفق منها مباشرة على أوجه متعددة دون أن يمر ذلك بالموازنة. فينفق من هذه الصناديق على مرتبات أو مكافآت خارج النظم المعمول بها في الدولة أو لتقديم خدمات متميزة لهم. وهكذا فإن هذه الصناديق الخاصة تمثّل ثغرة في النظام المالي وهي لا تحرم فقط المؤسسات النيابية من الرقابة الحقيقية بل أنها كثيراً ما تؤدي كذلك إلى تفاوت في المعاملة الوظيفية للعاملين في الدولة ومؤسساتها بعيداً عن الرقابة الشعبية.

كذلك فإن مفهوم الموازنات المستقلة والملحقة والذي قام – في الأصل – لإعطاء بعض المؤسسات مزيداً من المرونة في التصرفات المالية، تحول في العمل إلى أسلوب لتحصيل موارد – كثيراً من مصادر أجنبية – والقيام بمصروفات بعيداً عن كل رقابة أو إشراف في البرلمان. وليس الأمر هنا متعلقاً فقط بضرورة وحدة وعمومية الموازنة لاعتبارات الرقابة والإشراف، بل إن تعدد الوثائق وما في كل منها من إيرادات ومصروفات يفقد القدرة على معرفة الأولويات، حيث تضيع هذه الأوليات وسط العديد من الوثائق والمصالح والمؤسسات، وكل منها يضع أولوياته بعيداً عن الآخر.

ولذلك فإن أحد الشروط الأساسية لحسن الإدارة المالية لموارد الدولة هو العودة إلى الالتزام بمبدأ وحدة وعمومية الموازنة، وعلى أن تعرض كلها على مجلس الشعب، بحيث تظهر كافة إيرادات الدولة ومصروفاتها في وثيقة واحدة، وهي الموازنة. وإذا كانت دواعي الاستقلال المالي والإداري في موازنات بعض المصالح والهيئات العامة يتطلب ذلك،، فلا بأس أن يقرر لها موازنات ومستقلة أو ملحقة، على أن تكون كلا متكامل مع الموازنة العامة، وتصدر معها وترفق بها كأحد التقسيمات النوعية للموازنة العامة، وأن تكون ضمن الوثائق المعروضة على مجلس الشعب.

إن إعادة الاعتبار إلى القواعد المستقرة في إدارة مالية الدولة وفي مقدمتها استعادة مجلس الشعب لحقوقه في رقابة الموازنة أمر ضروري لسلامة الإدارة المالية. ولعل مناقشة تعديل الدستور الآن يمثل فرصة لمراجعة المادة 115 من الدستور.   والله أعلم

الأهرام: 21 يناير 2007

www.hazembeblawi.com

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *