وماذا عن الانتخابات القادمة؟

انتهت الانتخابات بحلوها ومرها، وتعددت الآراء وكثرت التعليقات، وبدأت الحياة تعود إلى مسارها الطبيعي. فماذا نحن فاعلون للإعداد لمستقبل الانتخابات؟ هل ننتظر أربعة أو خمسة سنوات قبل أن نعود لنمارس التجربة ونعاني من نفس المشاكل؛ اختلال وفساد في الجداول الانتخابية، تدخل أجهزة الأمن والمحليات، تفاقم مظاهر العنف، استخدام الأموال، وهكذا في حلقة لا تنتهي وتتكرر كل أربع أو خمس سنوات. أم أننا ننوي على العكس أن نعالج هذه الاختلالات حتى تكون الانتخابات القادمة أفضل، ونتقدم على مسار ممارسة الديمقراطية.

لقد تضمن برنامج الحزب الحاكم عدداً من الوعود الانتخابية للإصلاح السياسي، منها إلغاء قانون الطوارئ والقوانين الاستثنائية وتعديل نظام الانتخاب ومن باب أولى إعادة النظر في الدستور نفسه بتقييد سلطات رئيس الجمهورية وزيادة الدور الرقابي للبرلمان، وتحقيق استقلال القضاء، والقائمة طويلة.

وأود أن أشير – في صدد الانتخابات – إلى أمرين برزا بشكل واضح في نتائج الانتخابات الأخيرة. أما الأمر الأول فهو إعادة ترتيب توازن القوى بين أحزاب المعارضة، والثاني هو انخفاض نسبة المشاركين عموماً في العملية الانتخابية.

فأما عن الأمر الأول – فإنه مع استبعاد الحزب الوطني لما له من وضع خاص باعتباره حزب الحكومة لأكثر من ثلاثين عاماً – فإن الخريطة السياسية كما أظهرتها نتائج الانتخابات أوضحت بشكل كبير تراجع أحزاب المعارضة التقليدية – الوفد والتجمع والناصري وغيرها من الأحزاب المدنية – في حين أن مرشحي جماعة الإخوان المسلمين قد حققوا نتائج مشرفة. ولا يتوقف الأمر على حصول مرشحي هذه الجماعة على ما يقرب من تسعين مقعداً وما يعادل 20% من أصوات الناخبين، بل لابد وأن نتذكر أن الجماعة لم تقدم مرشحين إلا في حوالي 150 دائرة، ومعنى ذلك أن مرشحي الجماعة قد حققوا نجاحاً فيما يقرب من 60% من الدوائر التي تقدموا

بالترشيح فيها، وبالتالي يثور التساؤل عما كان يمكن أن يحدث فيما لو تقدم الإخوان بمرشحين في جميع الدوائر؟ سؤال مطروح ولابد أنه راود الكثيرين من المراقبين.

ولكن الصورة لا تكتمل إلا بمناقشة الأمر الثاني، وهو انخفاض نسبة المشاركة في العملية الانتخابية. فالبيانات المعلنة تشير إلى أن هذه النسبة لم تجاوز 25% من مجموع الناخبين، بمعنى أن واحداً فقط من كل أربعة أشخاص ذهب إلى صناديق الانتخاب، في حين فضل الثلاثة الآخرون الاكتفاء بالمشاهدة “عن بعد” للعملية الانتخابية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل الفئة التي مارست حقها الانتخابي تعتبر “عينة” سليمة تمثّل بشكل معقول مجموع الناخبين، أم أنها فئة لها خصائصها الذاتية، وهي تختلف – في قليل أو كثير – عن الغالبية الصامتة؟ هذا سؤال جوهري، وعلى ضوئه يمكن أن تتحدد الدلالة الديمقراطية لعملية الانتخابات. فإذا كان الناخبون المشاركون في الانتخابات يشكلون “عينة” سليمة لمجموع الناخبين، فإن نتيجة الانتخابات ما كانت لتتغير فيما لو زادت أو نقصت نسبة المشاركين فيها. وعلى العكس إذا كانت الفئة المشاركة في العملية الانتخابية لا تعكس بالضرورة آراء الكثرة الغالبية والتي تخلت عن واجبها الانتخابي، فإن معنى ذلك أن نتيجة الانتخابات لا تعكس بالضرورة رأي غالبية المواطنين.

من الصعب – دون دراسة تحليلية لنوعية المشاركين في الانتخابات – ترجيح رأي دون آخر. ومع ذلك فإنه يمكن القول بقدر من الاطمئنان بأن جماعة الإخوان المسلمين تتميز عن غيرها من الأحزاب السياسية بدرجة أكبر من الكفاءة في كل ما يتعلق بالتنظيم والانضباط كما أنها، وهي تستند – في الأساس – إلى العواطف الدينية فإن هناك درجة أكبر من الالتزام بين أنصارها. فإذا كلن هذا صحيحاً، فمعنى ذلك أن مشاركة مناصري جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات كانت أكبر من مشاركة أنصار الاتجاهات والميول السياسية الأخرى. ومعنى ذلك – إذا كان هذا الفرض سليماً – أن انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات جاء في صالح جماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي كانت خصماً من حساب الاتجاهات السياسية الأخرى. وبطبيعة الأحوال، فإن مثل هذا الافتراض ربما يصدق بدرجة أكبر في المدن منه في الريف، حيث لا تزال العلاقات العائلية أكثر تأثيراً في الريف منها في الحضر.

ويتضح مما تقدم أن القضية الأساسية في الانتخابات هي تدني نسبة مشاركة المواطنين في الانتخابات، وقد أدى ذلك إلى قصور الدلالة الديمقراطية للانتخابات من ناحية، وربما انعكس أيضاً على الوزن النسبة للقوى السياسية من المعارضة القائمة في المجتمع من ناحية أخرى. وتصبح الضرورة الأولى لدفع المسيرة الديمقراطية هي العمل على تحفيز الأفراد لممارسة حقوقهم الانتخابية. وهنا يبرز التساؤل، لماذا لا يهتم الأفراد بأداء هذا الواجب؟

أعتقد أن يمكن التمييز بين اعتبارين، الأول – وربما يكون قد تغير إلى حد بعيد بعد الانتخابات الأخيرة – وهو الشعور بعدم جدوى هذه المشاركة، فالاعتقاد السائد هو أنه لا شيء يتغير مع ممارسة حق الانتخاب أو بدونه. فالوجوه هي نفس الوجوه، والحكومة هي نفس الحكومة، وهكذا، فلماذا نتحمل العناء؟ وأعتقد أن الانتخابات الأخيرة قد أزالت كثيراً من قوة هذا الاعتبار. فرغم ما صاحب الانتخابات من تجاوزات، فقد أثبتت هذه الانتخابات أن صندوق الانتخاب يمكن أن يغير من شكل الحياة السياسية. والدليل على ذلك هو ما حققه الإخوان المسلمون من نتائج رغم ما تعانيه الجماعة من تحامل من جانب أجهزة الدولة. بل لعلي أضيف هنا إلى نجاح جماعة الإخوان ربما سوف يشجع أعداداً غير قليلة من الأفراد إلى العودة إلى ممارسة حقها الانتخابي نتيجة تخوفها من فكرة “الدولة الدينية”، رغم ما تؤكده الجماعة من عدم صحة هذه الاتهام. أما الاعتبار الأكثر أهمية في نظري لعزوف الكثيرين عن ممارسة حقهم الانتخابي فهو يرجع إلى ما يصاحب هذه العملية من عناء على المواطن. فهو لا يعرف المقر الانتخابي، وغالباً ما يجد أن اسمه غير مقيد، وإذا كان مقيداً، فاحتمال كبير أن يكون هناك خطأ في أحد عناصر اسمه الرباعي، وهكذا. تصبح العملة الانتخابية عبئاً ثقيلاً على المواطن. ويجب أن نضيف إلى ذلك المعاملة التي تبدو فظة في كثير من الأحوال. وهنا تظهر مسئولية الدولة.

على الدولة أن تجعل العملية الانتخابية سهلة ومريحة وأن تشجع المواطنين على القيام بذلك وأن تقديم كل التسهيلات لهذا الغرض. وقد أشار عدد كبير من المعلقين إلى ضرورة تنقية جداول الانتخاب. وهو أمر يمكن تحقيقه خلال السنوات القادمة. ولا عذر للحكومة في عدم تنفيذ هذه الرغبة الجماعية. ومع التقدم التكنولوجي، ووجود حكومة على رأسها أحد رجال المعلومات والاتصالات، فلابد أن تجد الحكومة وسيلة سهلة ومبسطة ومرنة من أجل جعل العملية الانتخابية ميسرة وبلا تكلفة أو عناء على المواطنين. ولماذا لا تحاول الحكومة – وهي تتحدث كثيراً عن الحكومة الإلكترونية – أن تضع برامج تمكن المواطن من الانتخاب إلكترونياً وبحيث تمكنه من إعطاء صوته في أية لجنة وبما يحول دون الغش والتزييف. ويمكن إجراء دورات تدريبية في المدارس وفي أماكن العمل وبما يشجع من ناحية المواطنين على الانتخاب ويدربهم من ناحية أخرى على التعامل على الأجهزة الإلكترونية. وأمام الحكومة خمس سنوات كاملة يمكنها أن تضع البرامج والسياسيات التدريبية من أجل أن تصبح العملية الانتخابية في متناول الجميع وبدون إرهاق أو إزعاج. فهل تقوم الحكومة بوضع برنامج زمني مجدد لهذا الغرض؟ نرجو ذلك.

بقي أن نشير إلى أن الانتخابات القادمة لن تقتصر على إعادة انتخاب أعضاء مجلس الشعب، بل أن هناك انتخابات رئاسية أيضاً. ولاشك أن هذا من شأنه أن يعيد طرح تعديل المادة 76 من الدستور إلى الواجهة من جديد. إننا نتذكر – ولاشك – أن التعديل قد أثار جدلاً كبيراً من معظم المراقبين، ولم يقتصر الأمر على قوى المعارضة بل أن عدداً من أعضاء الحزب الوطني نفسه قد أبدى اعتراضات شديدة على التعديل بالشكل الذي انتهى إليه باعتباره مقيداً ويحول دون إعطاء الأمة الفرصة لاختيار رئيسها القادم بقدر معقول من الحرية وفي إطار من المنافسة الشريفة. ولكن الحزب الوطني نجح في تجاهل هذه الاعتراضات وإجراء التعديل على النحو الذي أراده.

والآن وفي ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة، فهناك تساؤل عن مدى مناسبة التعديل للانتخابات الرئاسية المقبلة، فكيف يمكن أن نقرأ الآن تعديل المادة 76 ففي ظل نتائج مثل الانتخابات الأخيرة؟ لن يحصل أي حزب – باستثناء الحزب الوطني – على نسبة 5% من المقاعد، وبالتالي لن يحق لغير الحزب الوطني أن يقدم مرشحاً للرئاسة القادمة. وإذا كان يجوز للمستقيلين أن يتقدموا للترشيح، فلا يبدو أن أحداً يمكن أن يحصل على تأييد عدد مناسب من أعضاء المجالس التشريعية باستثناء المرشح المستقل الذي يحصل على تأييد نواب جماعة الإخوان المسلمين. وهكذا نجد أنه في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة – أو مثلها في انتخابات قادمة – فإن تطبيق المادة 76 من الدستور يعني أننا لن نجد مرشحاً للرئاسة سوى مرشح الحزب الوطني، وربما أيضاً في منافسة مع مرشح جماعة الإخوان المسلمين. وهو شكل لا يحقق في نظر الكثيرين المقصود من التعددية في انتخاب رئيس الجمهورية. وبطبيعة الأحوال، فإن الحزب الوطني يمكن أن يتنازل ويعطي بعض أصوات أعضائه لمرشحين آخرين بقصد إضفاء صفة التعددية على الترشيح، وهو أمر لن يرضي الجماهير التي سوف ترى أن العملية لن تعدو أن تكون عملية تجميلية.

هذا هو مدلول تعديل المادة 76 في الظروف الحالية، وربما يكون الحل هو إعادة النظر في ذلك التعديل، وهو ما طالب به الكثيرون في الماضي. ومع ذلك فلا بأس من إعادة النظر، فإن العودة إلى الحق فضيلة.   والله أعلم

 الاهرام: 25.12.2005                                                                    

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *