وماذا عن النفاق؟

الحقيقة شيء جميل، والبحث عنها نبيل، والتعامل على أساسها ضروري لاستمرار الجماعات وتقدمها. فلا يمكن أن يقوم مجتمع – من باب أولي لا يمكن أن يتقدم – إذا كان الكذب، وليس الحقيقة، هو الأساس في تعامل الناس. بل أنه مع الكذب يفقد الإنسان نعمة اللغة والتخاطب بها مع غيره. فاللغة هي وسيلة للاتصال بالآخرين، وهي قائمة على نقل الحقائق فيما بينهم. أما إذا كان الكذب – وليس الحقيقة – هو الأساس فقدت اللغة دورها ووظيفتها، وتحول الإنسان إلى بهيمة لا يستطيع أن يتعامل مع غيره، لأن أحداً لن يصدقه. فمع الكذب لا تفاهم ولا اتفاق بين الأفراد، ومن هنا فإن الصدق كان دائماً أساس الأخلاق وأمرت به كل الأديان.

ومع ذلك ورغم أن الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم على الكذب الكامل والمطلق، فالملاحظ أيضاً أن الحياة تتعايش – بشكل من الأشكال – مع قدر من الكذب، يزداد وينقص بحسب المجتمعات أو الفئات الاجتماعية. فهو يظل على وجه القطع موجوداً، في معظم المجتمعات، وبشرط ألا يخل بالأصل العام في التعامل وهو الصدق.

ولست في صدد الحديث عن كل أشكال الكذب، وهي متعددة ومتنوعة، ولكن أود أن أشير فقط إلى نوع الكذب الاجتماعي وهو النفاق. والنفاق هو نوع من الكذب، ولكنه نوع من الكذب الاجتماعي. فهو ليس مثل الكذب العادي، فهذا أمر فرد شخصي بحت، ولكن النفاق يأخذ – عادة – شكل علاقة ثنائية بين المنافق والمنافق له، وغالباً ما يتم ذلك بقدر من التوافق والتفاهم الضمني بينهما، بمعنى أن الطرفين يعرفان الحقيقة، في معظم الأحوال، ويقبلان التظاهر بعكسها.

وليست كل أشكال مثل هذا النفاق ضارة، فبعضها قليل أو عديم الضرر بل أنها قد تكون مفيدة في بعض الأحيان. ولكن إلى جانب هذا النفاق الحميد هناك نوع خبيث عندما يتجاوز حدود المجاملات الاجتماعية ويصبح نموذجاً لمخاطبة الرؤساء وذوي النفوذ أو أسلوباً للخطاب السياسي.

ولنبدأ بالإشارة إلى بعض الأشكال المقبولة من النفاق، وهو ما يعرف بالمجاملات الاجتماعية. فجميع المجتمعات المحتضرة – وبلا استثناء – تعرف في تعامل الأفراد ببعضهم البعض نوعاً من عبارات الترحيب والإعجاب والتشجيع المبالغ فيه – وغالباً غير الحقيقي – في تعامل الأفراد ببعضهم. فهذه المجاملات الاجتماعية- هي حقاً نوعاً من الكذب وبالتالي من النفاق – ولكنه نفاق مقبول يحفظ العلاقات الاجتماعية ويزيل أسباب التوتر في هذه العلاقات ويريح الناس في تعاملاتهم. فأنت لا تقبل دعوة صديق على العشاء لكي تقول له في نهاية السهرة أن الحديث كان مملاً فضلاً عن أن الطعام كان رديئاً، حتى وإن كان ذلك هو الواقع بالفعل. وعليك، بالعكس، أن تذكر له وأنت على باب الخروج، كم كانت الجلسة ممتعة والحديث شيقاً. ولا تنسى أن تطلب منه أن يشكر زوجته على هذه الوليمة الرائعة والأطباق الشهية. فهذا ليس نفاقاً ضاراً بل هو نوع من التحضر المطلوب والمرغوب فيه. وبالمثل فعندما يقابلك جار قديم لم تره منذ سنوات، وكانت جيرته مزعجة وأن الله أنعم عليك بالبعد عن هذه الجيرة – وربما الهجرة من المنطقة كلها أو حتى من الدولة – ومع ذلك فعليك عند رؤيته أن تأخذه بالأحضان وأنها “بالفعل فرصة سعيدة”، رغم أنك، وهو أيضاً، يدرك تماماً أنها ليست سعيدة بالمرة. هذا أيضاً نفاق اجتماعي. ولكنه نفاق حميد ولازم لحسن العلاقات الاجتماعية. وليس الأمر قاصراً على تحسين العلاقات الاجتماعية وإزالة أسباب التوتر – بغير لزوم – في مثل هذه الأمور، بل قد يكون من ورائها تحسين للانتعاش الاقتصادي. فالبائع في أي محل تجاري عليه أن يؤكد للعميل أن الملابس التي يجربها ويقوم بقياسها تناسبه تماماً، وإذا كانت سيدة فلا بأس أن يقول لها أصبحت – مع هذه القطعة الجديدة – آية من الجمال والأناقة. فهذا أيضاً نوع من النفاق، ولكن لا بأس به ما دام يساعد على زيادة المبيعات، بل وقد أعطته علوم الإدارة اسما محترماً وهو علم “التسويق”.

وهكذا نجد أن شيئاً من النفاق قد دخل نسيج العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وهو يتم بقدر معلوم – من جميع الأطراف – وفائدته أكثر من ضرره، وهو على كل الأحوال يتم بالقدر المتفق عليه بين جميع الأطراف، بحيث يمكن القول بأن أحداً لا  يخدع من ورائه. فالحديث عن “الفرصة السعيدة” قد أصبح، في كثير من الأحيان، كلمة فارغة وعبارة تتردد كالببغاء، وبالتالي يسقطها الطرفان من الحساب. وبالمثل فإن عبارات المديح والإعجاب لتشجيع العميل على الشراء معروفة كوسيلة لإغراء الزبون، وهي لا تغير – في معظم الأحوال – من قراراته التي تتوقف عادة على ميزانيته وذوقه الشخصي. وهكذا فإن أشكال هذا النفاق قليلاً ما تكون ضارة أو مؤذية، بل وكثيراً ما تكون مقبولة وأحياناً تكون أيضاً مطلوبة.

ولكن هناك نوعاً آخراً من النفاق السياسي الذي تزداد نبرته في كثير من دولنا النامية والحديثة على الممارسات الديمقراطية. ففي هذه الدول تتركز السلطات ومظاهر النفوذ في عدد محدود من الأفراد على قمة المؤسسات، رئيساً كان أو وزيراً أو محافظاً أو مديراً أو غير ذلك. وهنا نجد أن النفاق قد ارتفعت وتيرته، ولا يقتصر على عبارات المجاملة في لقاءات عابرة أو حتى منظمة، بل أنه يأخذ طابعاً إعلانياً صاخباً. فهو لا يكتفي بالدعاء له أو بالتصفيق له عند مروره أمامه، بل أنه يدبج له قصائد المديح وربما يكتب المقالات في الجرائد تأييداً ومباركة للقرار الفريد أو اللفتة التاريخية لهذا المسؤول أو ذاك. وإذا توفي لهذا الكبير خال أو عمه، وكان صاحبنا من رجال المال والأعمال، فإنه لا يكتفي بإرسال برقية عزاء أو بالمشاركة في تشييع الجنازة بل لابد من نشر صفحة أو ربع صفحة للقراء في كبرى الصحف حزناً على الفقيد أو الفقيدة تكلفه عشرات الآلاف من الجنيهات. ويا ويل المسؤول إذا ترك المنصب قبل وفاة القريب أو القريبة، فعندئذ لن يتذكره إلا عدد قليل من أرباب المعاشات في مؤسسته القديمة والذين لا يبالون من تضييع بعض الوقت في المجاملات الاجتماعية.

وإذا اقتصر الأمر على المبالغة في المجاملة في المناسبات السعيدة أو الأحزان لهان الأمر، ولكن المشكلة تظهر عندما يتجاوز النفاق هذا المجال من المجاملات إلى تأييد القرارات السياسية والاقتصادية. فهنا نجد أن هذه القرارات قد أصبحت نوعاً من المناسبات التي يتبارى فيها المتبارون لإثبات ليس فقط سلامة القرار وإنما عبقرية توقيته. فنفس الأقلام التي ارتفعت لتأييد الإجراءات الأمنية والبوليسية لملاحقة أعداء الشعب والمتاجرين بمصالحه من  التجار وسماسرة العملة هي الأقلام التي تصفق لأن الدولة قد تخلت عن هذه الإجراءات الأمنية وتعتمد آليات السوق في الترغيب والتحفيز. وبطبيعة الأحوال فقد جاء قرار السيد رئيس الجمهورية باقتراح تعديل أحد مواد الدستور، مناسبة هائلة لإبراز المواهب والملكات الكامنة في القدرات النفاقية. فهذا القرار في نظرهم، ليس قراراً سياسياً بل هو مبادرة تاريخية. وكانت أعلى الأصوات تأييداً للقرار هي نفس الأصوات التي كانت ترفض مبدأ تعديل الدستور أصلاً. وتقرأ العديد مما كتب في هذا المجال فلا نجد تحليلاً أو مناقشة جادة لمختلف جوانب الموضوع، وإنما فقط هناك تهليل وتصفيق. لقد سئم الناس من هذه الأصوات وملوا تكرار كلماتهم. فارحمونا يرحمكم الله.   والله أعلم

 الاهرام: 6.5.2006

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *