وماذا عن دستور 1923؟

عندما استيقظ المصريون صباح 23 يوليو 1952 كان البيان الأول “لحركة الجيش” قد أذيع في الإذاعة المصرية مطالباً بتطهير الجيش والقضاء على الفساد واحترام الدستور. وهكذا جاء أول خطاب لثورة يوليو إلى الشعب، مؤكداً على ضرورة احترام الدستور. والحديث عن الدستور في ذلك الوقت كان له معنى محدداً وهو دستور 1923. ولهذا الدستور مكانة هامة في ضمير الشعب المصري. فهو ليس مجرد وثيقة قانونية أصدرها حاكم، ولكنه ثمرة كفاح شعبي، جاء نتيجة لثورة شعبية وثار حوله وبعد صدوره جهاد طويل للدفاع عنه عندما حاولت حكومات الأقلية تعطيله ثم إلغائه حتى نجح الشعب في إثبات إرادته وإعادته إلى الحياة مرة أخرى. ورغم ما عرفه هذا الدستور من انتهاكات، فتظل له شرعية تاريخية عميقة واستقر في وجدان الشعب باعتباره ممثلاً للحرية في دولة للقانون والتي تكالب عليها الخصوم من كل جانب، من القصر إلى الاحتلال إلى حكومات الأقليات. ولكنه ظل رغم كل ذلك رمز الإرادة الشعبية.

قامت الثورة المصرية في عام 1919 – كما هو معروف – بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وعلى ضوء ما أُعلن خلالها من مبادئ ولسّن لحقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير. وكان رد الشعب على اعتقال سعد زغلول ورفاقه عند مطالبتهم بالاستقلال، هو ثورة عارمة شملت جميع أجزاء القطر المصري في اندفاعة تلقائية للمطالبة بالحرية. الحرية من المستعمر الأجنبي وتحقيق الاستقلال الوطني، والحرية من الحكم الاستبدادي وإرساء الحكم الدستوري. وهكذا انحصرت المطالبة الشعبية لثورة 1919 في أمرين أساسيين: الاستقلال والدستور.

وقد نجحت هذه الثورة الشعبية والتي قامت في وجه أعظم إمبراطورية – في ذلك الوقت – لحظة خروجها منتصرة من حرب عالمية طاحنة. ولكن هذا النجاح كان محدوداً، فكان أن أصدرت الحكومة البريطانية في فبراير 1922 إعلاناً تؤكد فيه استقلال البلاد فيما عدا تحفظات أربعة. وبذلك حققت مصر انتصاراً هاماً وإن كان محدوداً، في مجال المطالبة بالاستقلال الوطني، واستكمل هذا الأمر جزئياً في معاهدة 1936 ثم بدرجة أكبر في معاهدة 1954 لجلاء القوات البريطانية مع بقاء بعض القيود، ولم تتحرّر مصر كلياً في استقلالها الوطني إلا بعد عدوان 1956 وإلغاء معاهدة 1954 والتحلل بالتالي من كافة القيود التي فرضت على إرادتها الوطنية. هذا فيما يتعلق بالمطلب الأول للثورة، وهو الاستقلال الوطني. فماذا عن المطلب الثاني، وهو حكم الدستور.

اضطر الملك فؤاد (السلطان فؤاد في ذلك الوقت) إلى الرضوخ للمطالب الشعبية وأيضاً إلى الضغوط البريطانية. أما الرضوخ المطالب الشعبية بالدستور فأمرها واضح، وأما الضغوط البريطانية، فهي ترجع إلى أن بريطانيا وإن كانت إمبراطورية استعمارية فإنها أيضاً دولة ليبرالية تدافع عن القيم الليبرالية فيما لا يتعارض مع مصالح الإمبراطورية (وقد كانت حكومة بريطانيا في ذلك الوقت في يد الحزب الليبرالي). وهكذا وُضع الدستور المصري في عام 1923 نتيجة لضغوط داخلية وخارجية. وكان سعد زغلول قد عارض، في أول الأمر، لجنة إعداد الدستور (لجنة الأشقياء)، ولكنه لم يلبث أن احتضن الدستور وأصبح – مع حزب الوفد – أكثر المتحمسين لصيانة هذا الدستور والدفاع عنه، وذلك بعكس حزب الأحرار الدستوريين الذي كان له الدور الأكبر في وضع الدستور، حيث لم يلبث أن تنكر له وتعددت الاعتداءات والانتهاكات له في عهد حكومات الأحرار الدستوريين.

صدر الدستور المصري في عام 1923 متبنياً المبادئ الليبرالية، ومستلهماً بوجه خاص الدستور البلجيكي، وتبنى بذلك النظام البرلماني. ويميز رجال الفقه الدستوري بين نظامين أساسيين للحكم الدستوري، النظام الرئاسي والنظام البرلماني، وإن كانت هناك نُظم أخرى أقل أهمية (نظام الجمعية). فأما النظام الرئاسي فهو يقوم على الفصل شبة الكامل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، مع تحقيق نوع من التوازن “Checks & Balance” لضمان عدم انفراد إحدى السلطات وحدها بالأمر. فسلطة التشريع يقوم عليها مجلس
(أو مجلسان) ينتخب مباشرة من الشعب، ولا يجور حل هذه المجالس من السلطة التنفيذية. أما السلطة التنفيذية فيقوم عليها رئيس منتخب من الشعب مباشرة لمدة معينة. ولا يمكن سحب الثقة منه (إلا في حالات الجرائم) أو من الحكومة. ومع هذا الاستقلال بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فإن النظام الرئاسي يقوم على مبدأ التوازن بينهما، بحيث لا ينفرد أحدهما وحده بالأمر. فإذا كانت السلطة التشريعية لا تتدخل في العمل التنفيذي ولا تستطيع أن تسحب الثقة من الرئيس أو الوزراء، فإنها تباشر تأثيراً فعالاً من خلال موافقتها على الميزانية والمشاركة في الموافقة على التعيينات في الوظائف الأساسية (الوزراء، محافظ البنك المركزي، مدير المخابرات مثلاً)، فالكونجرس الأمريكي شريك كامل في السياسة الخارجية كما أنه سيد في وضع ميزانية الدولية. ويمكن اعتبار هذا النظام استلهاماً لأفكار “منسكيو” في ضرورة الفصل بين السلطات، وتنفيذاً لمقولة اللورد أكتون الشهيرة – بأن ” السلطة مفسدة، وأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”، ولذلك لا بد من توزيعها ووضع القيود والرقابة المتبادلة على ممارستها. فالنظام الرئاسي وإن كان يتطلب رئيساً قوياً فإنه أبعد ما يكون عن تركيز السلطة بين يديه وحده.

أما النظام البرلماني فهو، إلى حد بعيد، وليد التجربة البريطانية في الحكم الدستوري، وحيث يعتمد هذا النظام على مفهوم التعاون والتوازن بين السلطات. فإذا كان البرلمان ينتخب من الشعب، فإن السلطة التنفيذية تستطيع أن تحل البرلمان وتعود من جديد إلى الانتخابات ليفصل الشعب في النزاع بين السلطات. وبالمقابل فإن السلطة التشريعية (البرلمان) تستطيع أن تحجب الثقة عن الحكومة (السلطة التنفيذية) فيتعين عليها الاستقالة أو حل المجلس التشريعي والعودة إلى صناديق الانتخاب. وفي هذا النظام يكون دور رئيس الدولة (ملكاً أو رئيساً للجمهورية) هو دور شرفي رمزي، فهو رمز الدولة وهو (الملك عادة) يملك ولا يحكم، ويتم الحكم باسمه عن طريق الوزارة التي تتحمل المسؤولية السياسية عن أفعالها أمام البرلمان. أما الملك فإنه لا يكون مسؤولاً سياسياً أمام البرلمان لأنه لا يمارس السلطة بنفسه. ورغم هذا الدور الشرفي لرئيس الدولة، فإنه يقوم بدور رئيسي في حفظ الاستمرارية والاستقرار، كما يكون الحَكَم في لحظات الأزمات بين القوى المتعارضة. وقد أخذ دستور 1923 بهذا النظام البرلماني، وشكل البرلمان من مجلسين، مجلس النواب ويتم انتخاب كل أعضائه انتخاباً مباشراً من الشعب، ومجلس الشيوخ ويجمع بين الانتخاب (ثلاثة أخماس الأعضاء) والتعيين (خمسي الأعضاء). وقد تضمن دستور 1923 بالإضافة إلى ذلك التأكيد على كافة الحريات الأساسية للأفراد وصيانة الملكية الخاصة وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات واستقلال القضاء وبما يتماشى مع الفكر الليبرالي السائد في ذلك الوقت.

وقد جاءت بداية تطبيق الدستور قوية وواعدة. فحصل حزب الوفد على أغلبية هائلة في حين هزم حزب الأحرار الدستوريين – واضعو الدستور – بل وهزم رئيس الحكومة (يحيى باشا ابراهيم) في أحد الانتخابات. ومع هذه البداية القوية للحكم الدستوري، فإن مسيرته لم تلبث أن تعثرت وواجهت الصعوبات والمعوقات من جانب الملك الذي كان لا يطيق حزب الوفد في الحكم أو من جانب الاحتلال البريطاني وخاصة بعد مقتل السردار (الحاكم البريطاني في السودان عام 1924). فبدأت حكومات الأقليات وتعددت ممارسات حل البرلمان إذا حصل الوفد على الأغلبية. حتى أن الملك فؤاد حل أحد المجالس النيابية في اليوم التالي لاجتماعه وذلك لحصول الوفد على الأغلبية، وأعاد الانتخابات، فجاء حزب الوفد من جديد بأغلبية كبيرة. وهذا ما يؤكد أنه رغم الصراع السياسي القائم بين الوفد والقصر فإن تزوير الانتخابات لم يكن بعد من أساليب الحكم المعتمدة. فكم من مرة في العشرينات من القرن الماضي تلجأ الحكومة إلى حل البرلمان لتتخلص من حزب الوفد وإذ به يعود من جديد في الانتخابات التالية. ولكن أساليب التزوير لم تلبث أن وجدت طريقها إلى السلطة وخاصة مع اسماعيل صدقي – الوزير ثم رئيس الوزارة الداهية – ولم يقتصر الأمر على ذلك بل بدأ ايقاف الدستور وتعطيله إلى حد إلغائه كلية في عام 1930 وفرض دستور جديد مناسب لحكم السراي، وهو المعروف بدستور صدقي باشا. وقد ناهض الشعب كل هذه المحاولات وتمسك بالمطالبة بالدستور، وهو ما يعني دستور 1923. وفي هذا الصراع استقر هذا الدستور في الوجدان المصري باعتباره المعبّر عن تطلعات الشعب وثمرة لكفاحه ونضاله. ويذكر لنا الأستاذ الدكتور يونان لبيب رزق في دراساته القيمة عن ديوان الحياة المعاصرة باستعراض أرشيف جريدة الأهرام في مقاله المنشور في عدد الأهرام بتاريخ 26 أغسطس 2004 بأنه “لا نظن أن وثيقة مكتوبة في تاريخ مصر المعاصر قد اكتسبت من الأهمية ما اكتسبه الدستور المذكور”. وإزاء الضغط الشعبي المتزايد اضطرت الحكومة إلى التخلي عن دستورها الاصطناعي لعام 1930 والعودة من جديد إلى دستور (1923) وذلك في عام 1935. وقد أكد هذا الانتصار الشعبي مكانة الدستور في قلبه ووجدانه. فدستور 1923 هو دستور الشعب.

ومع قيام الحرب العالمية الثانية فرضت الأحكام العرفية، وزادت قبضة الإنجليز على الحكومات المصرية. وبعد تجارب مع حكومات الأقليات، اقتنعت بريطانيا بحاجتها إلى حكومة وطنية مصرية تمثل الشعب، ففرضت على الملك عودة الوفد عام 1942. ولكن الملك الذي أصيب في كبريائه بعد أن فرض عليه المحتل حكومة – وإن كانت حكومة الأغلبية – إلا أنه انتهز أول فرصة للتخلص منها. وأعاد الملك فاروق لعبة حكومات الأقليات وتزوير الانتخابات، وهي ممارسات بدأت تجيدها الإدارة المصرية رغم أنها دخيلة عليها بدليل الانتخابات الأولى فور صدور الدستور في بداية العشرينات. وقد أدى تدهور شعبية هذه الحكومات إلى أن اضطر الملك إلى إجراء انتخابات أكثر نزاهة في عام 1950 فعاد الوفد من جديد بأغلبية كبيرة. ولكن الوفد قد عاد – هذه المرة –باستراتيجية جديدة بعد أن أنهكته – فيما يبدو – فترة الحرمان الطويل في المعارضة. فجاء الوفد مسالماً ومتصالحاً مع الملك. وقام حريق 26 يناير 1952 مما مكّن الملك من إقالة الوزارة وإعادة الوفد إلى صفوف المعارضة وعاد الملك إلى عادته القديمة في الاعتماد على حكومات الأقليات. وتعدّدت هذه الحكومات خلال ستة أشهر، إلى أن فاجأتها الثورة صباح 23 يوليو، وجاء في البيان الأول لحركة الجيش “احترام الدستور”. ولا شك أن هذه الإشارة إلى الدستور كان لها وقع هام على نفوس المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع تأييداً لهذه “الحركة المباركة”.

على أن طبيعة الحكم الثوري والظروف المصاحبة للثورة في أيامها الأولى فرضت إلغاء الدستور والأخذ بفترة انتقالية ثم توالت الأحداث حتى استقر الأمر للرئيس الراحل جمال عبد الناصر فأصدر دستور 1956 ثم دستور 1958 بعد الوحدة مع سوريا. وعندما جاء الرئيس الراحل أنو السادات، وقد واجه – بدوره – صراعاً على الحكم، فأصدر دستور 1971 لحسم هذا الصراع. وهكذا جاءت هذه الدساتير في فترات قلقة ولمواجهة أزمات سياسية حادة. وهي جميعاً قد نبذت فكرة النظام البرلماني وتبنّت أشكالاً من النظام الرئاسي مع تركيز السلطات التنفيذية في يد الحكومة وعلى رأسها رئيس الجمهورية.

والآن يثور في الشارع السياسي جدل واسع حول الإصلاح السياسي وأحد عناصر هذا الجدل هو الإصلاح الدستوري. ولكن الإصلاح الدستوري يواجه عقبة شديدة قد تحول دون إمكان تحقيق ذلك في الوقت الحالي. فإذا كان هناك من ناحية ما يشبه الاتفاق العام على أن الدستور الحالي يشوبه الكثير من القصور وبالتالي الحاجة إلى تغييرات هامة، فإنه يبدو من ناحية أخرى أن هناك تبايناً شديداً حول ما يمكن أن يكون عليه شكل الدستور الجديد وخاصة فيما يتعلق بدور الشريعة الإسلامية. وهذا التباين قد يصل إلى احتمال التصادم وربما الشقاق مما قد يعكر صفو الأمن والاستقرار. والسؤال المطروح، ألا يوجد حل وسط مقبول من معظم الاتجاهات؟

ربما يكون دستور 1923 هو الحل. ولكن دستور 1923 يأخذ بالنظام الملكي، ولذلك فمن الضروري تعديل نصوص الملكية في هذا الدستور واستبدالها بنصوص جديدة للحكم الجمهوري. فإلغاء الملكية كان – ولا يزال – مطلباً شعبياً جارفاً، حيث لا يستثيغ الشعب المصري فكرة التوريث في السلطة. ومع هذا التعديل، فإن لهذا الدستور له شرعية أكيدة تاريخية في الضمير المصري. وقد تعهدت الثورة – يوم قيامها – بالحرص عليه والدفاع عنه. وربما آن الآوان للوفاء بهذا العهد. وبذلك تكون العودة إلى دستور 1923 معدلاً – بعد إلغاء الملكية – تحقيقاً لأهداف الثورة وليس خروجاً عليها. وبعدها يمكن النظر في أية تعديلات مطلوبة وفقاً لقواعد التعديل المنصوص عليها في هذا الدستور إن كانت هناك حاجة لذلك. فهي نقطة بداية لا أكثر ولا أقل، ومعها تعود الشرعية الدستورية بعد أن أدت الشرعية الثورية دورها لما يزيد عن نصف قرن.

لقد كانت فرحة الشعب عارمة في عام 1935 عندما أعيد دستور 1923 بعد إلغائه الأول قبل ذلك بخمس سنوات. ومن يدري فقد لا تقل فرحة الشعب عند إعادته – معدلاً – بعد إلغائه للمرة الثانية قبل خمسين عاماً. والله أعلم.

الاهرام 12 سبتمبر2004

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *