(1-2) الاقتصاد رهان على مستقبل محفوف بالمخاطر

يكثر الحديث هذه الأيام عن قروض متعسرة لدى البنوك، وتضييق في الائتمان المتاح للأفراد والمشروعات، وتعثر في السداد، ونقص في السيولة. وكلها أمور تشير إلى اضطراب في أسواق الائتمان. فالبنوك تجد صعوبة في استيفاء حقوقهم لدى الأفراد والمشروعات، وهؤلاء بدورهم يجدون صعوبة من البنوك في تجديد تسهيلاتهم وتشدداً في منح تسهيلات جديدة. وهكذا يدور الجميع في حلقة مفرغة.. فما هو أصل الحكاية؟

ليس من السهل رد هذه الأمور إلى سبب واحد. فلابد أنه تكاتفت عوامل متعددة ساعدت على خلق هذا الوضع المتأزم، وقد ترتب على هذه الأوضاع أن تقلصت الأعمال، واتجه المتعاملون في الأسواق إلى تفضيل المعاملات نقداً، وبدأ الائتمان في التراجع، فلا البنوك تقبل بسهولة منح تسهيلات جديدة للمتعاملين، ولا التجار يقبلون، عادة، البيع مع تسهيلات السداد. وهكذا بدا أن التعامل النقدي In Cash يكاد يصبح الأصل، ويتراجع دور الائتمان أو الدفع الآجل إلى حدود ضيقة. وفي هذا خطر كبير على النمو الاقتصادي. فالائتمان، قد أصبح – إلى حد بعيد – أساس الاقتصاد المعاصر، ولا يمكن أن يستمر الازدهار الاقتصادي ما لم يستعد الائتمان دوره وأهميته في النشاط الاقتصادي. هذه إحدى بديهيات الاقتصاد. ولكن لا بأس من ترديد هذه البديهيات. فقد أثبتت التجربة، أن أكبر المشاكل وأخطرها تأتي عندما نتجاهل البديهيات والمبادئ الأولية. ولذلك لا نرى ضرراً كبيراً من إعادة التذكير بهذه البديهيات، بل قد يكون هناك بعض النفع من وراء ذلك.

نقطة البدء في فهم النشاط الاقتصادي هي أن ندرك أن هذا النشاط هو بطبيعته، نشاط ممتد في الزمن، وأن العائد من وراء أي جهد لا يأتي معاصراً لبذل هذا الجهد، وإنما يتحقق في فترة زمنية لاحقة. ومن هنا فإن جوهر النشاط الاقتصادي هو المقامرة على المستقبل، والرهان عليه. الأمر الذي يتطلب الثقة في هذا المستقبل، والثقة في المتعاملين. فالحديث عن المستقبل، حديث عن المخاطر وعدم اليقين. فالمستقبل مشوب دائماً بكل أنواع الاحتمالات. ولذلك فإن التعامل مع المستقبل يتطلب توافر درجة معينة من الثقة في النجاح والرهان عليها. وما لم تتوفر هذه الثقة توقفت الأعمال أو تضاءلت إلى حد بعيد.

انظر إلى الزراعة مثلاً. فهي ليست عملاً لحظياً يتم وينتهي في لحظة، بل لابد من بذل الجهد أولاً ثم ظهور النتيجة في وقت لاحق، بعد مرور وقت قد يطول أو يقصر بحسب طبيعة المحصول. فالزارع يبذر البذور بعد أن يمهد الأرض ويحرثها، وعليه أن يواليها بالري والرعاية وربما تغذيتها بالأسمدة والمخصبات، وفي النهاية يظهر المحصول والعائد. وقبول الزارع بذل الجهد والمال في أول الأمر، إنما هو رهان على المستقبل، وإدراكه أن هذا الجهد والمال سوف يكافأ في النهاية بظهور المحصول وتعويضه عما بذله من جهد ومال، هذا الرهان إنما هو نتيجة لثقته في الأرض لتجارب سابقة ناجحة. وثقته في العمالة وقدرتها لخبرته الطويلة في هذا النشاط استمدها من خلال أجيال متعاقبة. وهكذا فإنه من دون هذه الثقة ما قامت زراعة. وقل نفس الشيء عن الصناعة. فصاحب المشروع يوفر رأس المال، لشراء الأرض وإقامة المباني والمنشآت وتركيب الآلات والأجهزة، ثمّ تقتضي بداية الإنتاج الإنفاق على أجور العمالة والموظفين، وشراء المواد الأولية والمصاريف العمومية، وفي النهاية فقط، تظهر النتيجة عندما يظهر إنتاج المصنع ويتم بيعه في السوق وتحصيل حصيلة البيع.. وهنا أيضاً، لا يمكن أن يتحقق إنتاج صناعي، ما لم تكن هناك ثقة في المستقبل، وثقة في المشروع، وفي سلامته الفنية، وفي توافر الأسواق للمنتج النهائي. فالثقة في المستقبل هي أساس الصناعة كما كانت أساس الزراعة. ومادام النشاط الاقتصادي نشاطاً ممتداً في الزمن، تتعلق النتائج فيه بالمستقبل، فإنه لا أمل في نشاط اقتصادي مزدهر ما لم تتوافر ثقة المتعاملين في هذا المستقبل، والثقة في الأوضاع بشكل عام؛ والثقة في الآخرين وقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم، والثقة في الاستقرار القانوني وقدرته على حماية حقوقهم، والثقة في الاستقرار النقدي وعدم تدهور قيمة النقد، والثقة في النظام السياسي وعدم تعرضه للقلاقل والهزات، وهكذا.

ولكن الأمر لا يقف عند حد امتداد النشاط الاقتصادي زمنياً، بل إن تجربة معظم المجتمعات البشرية أظهرت انقسام الأفراد إلى مجموعتين، مجموعة قادرة على أن توفر جزءاً من دخلها في شكل فائض، أو مدخرات، في حين أن مجموعة أخرى – أقل عدداً – من الأفراد الذين لديهم أفكار لمشروعات ولكن ينقصهم المال، وهؤلاء يطلق عليهم اسم الوحدات العاجزة، مقابل المجموعة الأولى وهي جموع المدخرين أي الوحدات الفائضة. وليس من الضروري أن تكون هذه المدخرات كبيرة، بل قد تكون صغيرة بالنسبة لكل فرد على حدة، ولكنها تمثّل حجماً كبيراً إذا أخذنا مجموع هؤلاء من صغار المدخرين. وفي المقابل فإن مجموع الوحدات العاجزة تمثّل جمهور المستثمرين من أصحاب المشروعات والأفكار التي يحتاج تنفيذها إلى أموال ومدخرات تجاوز طاقة وإمكانية هؤلاء المستثمرين. ومن هنا فإن مصلحة الاقتصاد هي أن تنتقل هذه المدخرات من الوحدات الفائضة إلى الوحدات العاجزة. بحيث تتنازل الوحدات الفائضة – المدخرون – عن أموالهم لكي تستخدمها الوحدات العاجزة – المستثمرون – مقابل ضمانات يقدمها هؤلاء المستثمرون برد هذه الأموال مع العائد في وقت معين، أو بالسماح لهم بالمشاركة في ملكية المشروع وأرباحها. وهذا أمر لا يمكن أن يتحقق ما لم تتوافر ثقة المدخرين في أن حقوقهم لن تتعرض للضياع أو التبديد. وهنا أيضاً نجد أن قدرة الاقتصاد على تحقيق المدخرات، وعلى حسن استخدام هذه المدخرات في استثمارات ناجحة، تتوقف على مدى توافر الثقة في أن هذه الحقوق غير مهدرة. أما كيف يتم ذلك؟ فهناك مجموعة كاملة من الهياكل المالية المتكاملة التي تساعد على تحقيق هذه الحماية وتوفير الثقة للمتعاملين. وهناك مؤسسات مالية متخصصة من بنوك وشركات تأمين وصناديق وبورصات وشركات تقييم ومؤسسات للمحاسبة والمراجعة. وهناك أدوات مالية متنوعة من أسهم وسندات وخيارات ومشتقات مالية مختلفة. وهناك أخيراً نظام قانوني وثقافي لتحديد خصائص ومواصفات ووظائف هذه المؤسسات وتلك الأدوات، وحماية كافية لأصحاب الحقوق وضمانات للتنفيذ.

والحديث عن التعامل مع المستقبل وأهمية الثقة، هو حديث عن المخاطر. فعند التعامل مع المستقبل ليس هناك يقين، ولابد من تقبل بعض المخاطر. ودون ذلك لن يقوم أي نشاط اقتصادي. والمطلوب هو فقط حسن تقدير هذه المخاطر والتحوط لها قدر الإمكان بأخذ بعض الضمانات الإضافية.

رأينا أن النشاط الاقتصادي في جوهره هو تعامل مع المستقبل، وسواء تعلق الأمر بالنشاط الإنتاجي – من زراعة أو صناعة – أو تعلق بتكوين المدخرات وتوفيرها للاستخدام في الاستثمار. وقد عرفت المجتمعات منذ القدم النشاط الإنتاجي، وتعاملت معه بدرجة معقولة من الكفاءة رغم أنه يتضمن أيضاً مقامرة على المستقبل. ومع ذلك فإن التعامل مع المستقبل قبل ظهور المجتمع الصناعي كان يبدو أقل خطورة. فالمزارع له خبرة طويلة مع الزراعة، وهي خبرة متوارثة مع الأجيال.. وبالتالي فليس صعباً عليه أن يقبل المقامرة بالقيام بأعمال الزراعة وانتظار النتيجة بعد فترة – ليست طويلة – وظهور المحصول. وقل مثل ذلك، إلى حد بعيد، مع الإنتاج الحرفي، فهو عادة متوارثة من جيل لآخر، ولذلك فإن المخاطرة فيه محدودة، لذا فإن معظم المجتمعات قد أقبلت على القيام بالنشاط الزراعي والحرفي منذ فترات طويلة نسبياً. وليس الأمر كذلك تماماً مع الإنتاج الحرفي، في أن هذا الإنتاج لا يتم بناء على طلب مسبق من زبون معروف مسبقاً، كما هو حال الحرفي الذي ينتج لزبون محدد، وإنما يظهر الإنتاج الصناعي للسوق بشكل عام. ومن هنا مخاطر السوق. لذلك فقد كان الإنتاج الصناعي دائماً أكثر مخاطرة، لأنه إنتاج مبني على توقعات للطلب في السوق وليس بناء على طلب سابق متفق عليه. وإذا كانت الصناعة تتضمن مخاطر أكبر بالنظر إلى توجهها إلى السوق وليس إلى زبون محدد، فإنها تنطوي على جانب آخر من المخاطر يرتبط بتمويلها. فالصناعة، وعلى عكس الإنتاج الحرفي، تحتاج عادة إلى رؤوس أموال كبيرة تجاوز قدرات الفرد الواحد ومن هنا حاجته إلى استمالة الآخرين لكي يقدموا إليه الأموال حتى يتمكن من القيام بهذه الإنتاج الصناعي. أما الحرفي، فهو لا يحتاج، عادة إلى رؤوس أموال كبيرة. فهو كنجار أو حداد أو ترزي، قد يحتاج إلى قليل من الأدوات، وبالتالي فهو في غير حاجة إلى تمويل الآخرين. وليس الأمر كذلك مع الصناعة. فلا يتصور قيام صناعة من دون مشاركة وتعاون العديد من الأفراد على توفير التمويل لهذه الصناعة. ومعنى ذلك أن هناك حاجة إلى ثقة هؤلاء في المشروع وفي قدرته على حماية أموالهم، بردها في المستقبل مع العوائد، أو بتقديم أرباح مجزية خلال حياة المشروع. وهكذا نجد أن الصناعة قد ارتبطت – منذ البداية – بدرجة أكبر من المخاطر – مخاطر السوق، ومخاطر التمويل – وبالتالي بالحاجة بدرجة أكبر إلى الثقة، وبالإضافة إلى هذه المخاطر، فإن تسويق المنتجات الصناعية أصبح يعتمد بدرجة أكبر على منح تسهيلات في السداد، مع السماح بالبيع بالتقسيط أو الدفع المؤجل. وكل هذا يزيد من درجة المخاطر التي تحيط بالصناعة، وهي ترتبط بشكل أو بآخر بمنح آجال للدفع، سواء في تمويل الإنتاج، أو في تسويقه. لذلك فقد قبل بأن نمو الصناعة وتطورها رهن بنمو إمكانيات التمويل، أو ما اصطلح عليه بوجود نظم كفء الائتمان. فماذا يقصد بذلك؟

الائتمان Credit يقصد به مبادلة آجل بعاجل، وأهم مظاهره القرض. فالقرض هو منح الغير مبلغاً من المال الآن، مقابل استرداده في وقت لاحق، وبذلك فهو يتضمن – كما في التعريف – مبادلة آجل بعاجل. ولكن البيع بالتقسيط يتضمن – هو الآخر – قدراً من الائتمان، حيث يتسلم المشتري البضاعة الآن، ويسدد ثمنها على أقساط في المستقبل. وبذلك يتفق مع التعريف السابق للائتمان. وقد وفق علم الاقتصاد في اختيار تعبير “ائتمان” في اللغة العربية لهذه الظاهرة. ذلك أن هذا التبادل لا يمكن أن يتم إلا إذا تحقق قدر من الثقة والأمانة بين المتعاملين. فالعادة أن التبادل يتم بين شيئين في نفس الوقت، وبالتالي يتم التسليم والتسلم لموضوع التبادل دون فارق زمني، وتنتهي العملية فوراً، ويذهب كل من الأطراف في حال سبيله. أما في حالة الائتمان، فإن أحد الطرفين يتسلم مالاً – نقوداً أو سلعة – مقابل تعهد برد المقابل في المستقبل. مما يعني أن هذه العلاقة لا يمكن أن تتم ما لم تتوافر الثقة في أن هذا الطرف سوف يسوي التزامه ويفي بتعهده في المستقبل، وهذه الثقة لا تقتصر على أمانة هذا الطرف، بل تتضمن الثقة أيضاً في الظروف الاقتصادية سوف تكون مؤاتية لكي يتمكن من أداء التزاماته. فقد يكون الرجل أميناً ومخلصاً، ولكن الأوضاع الاقتصادية أو السياسية مضطربة بما يجعل وفائه بهذه الالتزامات غير ممكن أو غير محتمل. ومن هنا تتضمن الثقة عناصر مختلفة، بعضها متعلق بالطرف الآخر، والبعض الآخر متعلق بأوضاع الاقتصاد في مجموعه وفي النظام القانوني والقضائي وكل ما يتعلق باحترام التعهدات في المستقبل.

والائتمان بهذا الشكل، هو ائتمان للاقتصاد على المستقبل، ونجد مظاهره في كل مناحي الحياة – فالمدخر – وهو عادة غير قادر على استثمار مدخراته بنفسه – يقوم بوضع هذه المدخرات لدى البنك، أو لدى صندوق التوفير أو لدى إحدى شركات الاستثمار. وفي كل هذا فإن هذا المدخر يأتمن هذه المؤسسات على حماية مدخراته والقدرة على استردادها مع الفوائد. إذا تعلق الأمر بالبنوك أو صناديق التوفير، أو بالقدرة على الحصول على أرباح مناسبة، إذ تعلق الأمر بشركات أو مؤسسات للاستثمار. أما إذا انعدمت الثقة، لتجارب فاشلة في الماضي، أو لشائعات أو غير ذلك، فإن هذا المدخر سوف يحجم عن وضع مدخراته في هذه المؤسسات ويحبسها عن التداول في شكل من أشكال الاكتناز. وبذلك يحرم الاقتصاد القومي من المصدر الأساسي للتمويل.

وإذا كان المدخر يأتمن البنوك والمؤسسات المالية عندما يضع مدخراته بها، فإن هذه المؤسسات، وخاصة البنوك، تقوم بتوظيف هذه الأموال بإقراضها – عادة – للمشروعات الصناعية، ومن ثمّ بتوفير ائتمان لها للقيام بنشاطها الإنتاجي. ودون ذلك تفشل هذه المشروعات الصناعية في توفير التمويل اللازم، نظراً لأن احتياجات الصناعة، تفوق – كما سبق أن ذكرنا – قدرات أي مستثمر فرد، وبالتالي فإنه يكون عادة في حاجة إلى الالتجاء إلى أموال الآخرين، ويتم ذلك عادة عن طريق المؤسسات المالية، وهي في مقدمتها البنوك. وهكذا نجد أن البنوك هي مؤسسات مالية وسيطة، وظيفتها التوسط بين جمهور المدخرين الذين يضعون أموالهم لديها من ناحية، وبين جمهور المستثمرين الذين يقترضون هذه الأموال لتشغيل إنتاجهم الصناعي من ناحية أخرى. وتكسب البنوك من الفرق في أسعار الفائدة التي تقترض بها من المدخرين، وأسعار الفائدة التي تقرض بها المستثمرين. فالبنوك بهذا الشكل هي الجهاز الذي يقوم بنقل الأموال من المدخرين إلى المستثمرين، مع توفير أكبر حماية لأموال المدخرين من ناحية وأفضل شروط للمستثمرين من ناحية أخرى. وعندما تقوم البنوك بهذا الدور، فإنها تحرك النشاط الاقتصادي. ويقال عادة أن عملية التمويل هي أشبه بالدورة الدموية حيث تنتقل الأموال من خلالها، كما ينتقل الدم من خلال الشرايين لمختلف أجزاء الجسم فتدب فيه الحياة. وكذا البنوك، فإنها تقوم بنقل الأموال بين مختلف قطاعات الاقتصاد، بما يساعد على بعث الحياة في النشاط الاقتصادي. ورغم أن البنوك ليست هي كل المؤسسات المالية، فإنها بلا شك من أكثرها أهمية وخطورة. وهي أكثر المؤسسات تعاملاً في الائتمان، ولذلك فإن التعرض لطبيعة ائتمان البنوك وما يرد عليه من مخاطر يعتبر محوراً جوهرياً في الاستقرار الاقتصادي.   والله أعلم

 الخليج: 8.10.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *