الاقتصاد رهان على مستقبل محفوف بالمخاطر 2-2

البنوك هي مؤسسات مالية وسيطة، تجمع مدخرات الأفراد، وتضعها تحت تصرف المستثمرين، وبذلك تظهر كمؤسسات تتعامل أساساً في الائتمان. فالأفراد يودعون أموالهم لدى البنوك، أي أنهم يمنحون البنوك ائتماناً. والبنوك تمنح العملاء قروضاً وتسهيلات أي أنها تمنحهم ائتماناً. وهكذا يتمركز دور البنك في التعامل مع الائتمان، وعندما يقوم الفرد بإيداع نقوده لدى البنك، فإنه – كما قلنا – يمنح هذا البنك ائتماناً، حيث يقدم له عاجلاً – نقود الوديعة – مقابل آجل، هو الوعد باسترداد مبلغ الوديعة مع الفوائد في وقت لاحق. والأصل أن الفرد وهو يتعامل مع البنك، عليه أن يتأكد من استحقاق البنك لهذا الائتمان، بمعنى التأكد من أن البنك قادر من الناحية المالية والإدارية والمهنية على حماية أموال المودع. ومع ذلك فإن القوانين في معظم الدول، تعفي المودع من القيام بهذا البحث عن الجدارة الائتمانية للبنك، وتقوم الدولة – ممثلة في السلطات النقدية – بضمان توافر هذه الجدارة المالية للبنك. وهكذا توفر القوانين عادة على المودع الفرد عبء القيام بدراسات مستقلة للتأكد من السلامة المالية للبنوك بما تضعه الدولة من قواعد الرقابة على البنوك، ولكن ذلك لا يمنع من قيام حالات تعثر أو حتى إفلاس بعض البنوك. ولعلنا نذكر ما حدث منذ عدة سنوات لبنك الاعتماد الدولي وفروعه عندما عانى من مشاكل مالية في مختلف البلدان ومنها مصر. وقامت مصر – حينذاك – بتوفير ضمانات لحقوق المودعين في هذا البنك عن طريق قيام بنك مصر بشراء الفرع المصري وإدماجه في حسابات بنك مصر. ومع ذلك ترى دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن تترك الأمر لقوى السوق، ومنها الإفلاس، لكي تعمل كما هو الحال بالنسبة للشركات بصفة عامة. وتأخذ بعض الدول بتوفير تأمين على حقوق المودعين لدى شركات التأمين – عادة التأمين في حدود سقف معين – وهناك آراء متعددة في مزايا ونقائص هذه النظم للتأمين. فمن المزايا، توفير حماية لحقوق المودعين، خاصة الصغار منهم، والذين لا يتمكنون من تقدير الجدارة الائتمانية للبنوك. ولكن، هناك بالمقابل عيوب لمثل هذه النظم وخاصة عند المبالغة في توفير مثل هذا التأمين. فأقساط التأمين لابد أن تحسب ضمن أعباء البنك، وبالتالي فإن البنك يعيد تحميلها على العميل في شكل إنقاص العائد على وديعته لدى البنك. فالتأمين على ودائع الأفراد ليس منحة حرة بلا تكاليف، بل إن لها تكاليف يتحملها المودع نفسه. والعيب الثاني هو ما يطلق عليه بالإنجليزية Moral Hazard، والمقصود بذلك هو أن توافر هذه الضمانة قد يغري بالتساهل في الرقابة على أعمال البنوك، وبالتالي يؤدي إلى ترك بنوك دون القيام بالدراسات الائتمانية الكافية للاستمرار في النشاط نظراً لأن أموال المودعين مؤمنة على أي الأحوال. أما غياب مثل هذه الضمانة فإنه يلقي بعبء كبير على إدارات البنك وأجهزة الرقابة والإشراف وبالتأكد من سلامة الأوضاع المالية للبنوك، وبالتالي حماية أموال المودعين.

والآن، ماذا عن ائتمان البنوك للأفراد والمشروعات؟ الواقع أن هذا هو جوهر عمل النظام المصرفي كله، وهو يمثّل مسؤولية مشتركة بين إدارة البنك من ناحية وبين أجهزة الرقابة والإشراف من ناحية أخرى. فعمل البنك – بعد أن يجتذب أموال العملاء في شكل ودائع – هو أن يقوم بتوظيفها بالإقراض وتقديم التسهيلات المختلفة للعملاء بعد دراسة أوضاعهم الائتمانية، أي بعد تقدير أوضاعهم المالية ومستقبلهم ومدى قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم في المستقبل. ويتمحور الفن المصرفي حول وضع الأسس والقواعد لإجراء هذه الدراسات الائتمانية، بدءاً بالحصول على معلومات كافية عن العميل ومعاملاته السابقة، وأوضاعه مع البنوك والعملاء وسمعته في السوق (الاستعلام)، ومروراً بإجراء الدراسة الائتمانية لطلب القرض أو التسهيل، مما يقتضي دراسة الأوضاع المالية للمؤسسة وتاريخها ونشاطها وتحليل ميزانياتها، ودراسة أحوال السوق التي يعمل فيها، والتنبؤات حول تطور المستقبل، والأوضاع القانونية للمؤسسة وعلاقاتها المالية والتجارية وما يمكن أن يقدم من ضمانات، إلى ما هو مستقر من أساليب التحليل المالي. وإذا كان استقصاء المعلومات وإجراء الدراسات والتحاليل أمراً ضرورياً، فلا يقل أهمية اتباع مجموعة من الإجراءات في اتخاذ القرار تضمن سلامته، من حيث ضرورة عرض القرار وفقاً لسلسلة محددة ومعروفة سلفاً من المراحل بما يسمح بالرقابة الداخلية ومناقشة الآراء الأخرى، وأحياناً الاستعانة بالخبراء والمختصين من الخارج في المسائل الفنية. وبعد استكمال إجراءات القرار بمنح الائتمان واتباع القواعد المرعية، فيجب أن يتم التنفيذ من خلال أجهزة أخرى تحقق، عند التنفيذ، نوعاً من الرقابة على صحة بيانات الموافقة الائتمانية. ومع هذا كله لابد أن تقوم متابعة مستمرة لحالة العميل ووضع المؤشرات الكافية لمنع وقوع المخاطر، وتحاشي تفاقمها إذا حدثت.

على أن سلامة الأوضاع المالية للبنوك وحماية حقوق المودعين لا تتوقف فقط على حسن اختيار عملاء الائتمان، فهناك قواعد أخرى لضمان عدم تعرض البنك لمخاطر قد تعرض بالتالي حقوق العملاء للخطر، ومن ذلك مثلاً وضع نسبة معينة لحجم ائتمان البنوك بالنسبة إلى رأس ماله (مبدأ كفاءة رأس المال)، ومنها عدم التركيز على عدد محدود من كبار العملاء، أو على قطاع بعينه ومنها مراعاة التوازي بين التزامات البنك وأصوله من حيث آجال السداد، ومن حيث أنواع العملات.. وكل هذا – وغيره – هو من الأمور المستقرة في أعمال البنوك، وينبغي الحرص على اتباعها بدقة، وهي مسؤولية البنك كما هي مسئولية أجهزة الرقابة والإشراف على البنوك (البنك المركزي).

وإذا كانت هناك حاجة وضرورة لاتخاذ واتباع الإجراءات والأساليب المستقرة في العرف المصرفي لحماية ائتمان البنك من التعرض لمخاطر يمكن تجنبها، فإنه من الواجب، في الوقت نفسه، وضع ضمانات للعاملين في البنوك في إدارات الائتمان والتنفيذ، بألا تلاحقهم مطالبات أو مسئولية لا ترجع إلى خطئهم المهني. فيجب أن يكون مفهوماً، منذ البداية، أن المخاطر هي جوهر النشاط الاقتصادي. فمادام هذا النشاط متعلقاً بالمستقبل، فإنه لا يمكن القطع بتحقق النتائج المرجوة، بل هناك دائماً مخاطر، وهناك دائماً احتمالات للنجاح كما أن هناك احتمالات للفشل. والمطلوب ليس هو استبعاد الفشل كلية، وإنما فقط تقليل احتمالاته والتحوط له بأخذ ضمانات مناسبة. وفي جميع الأحوال فإن التعامل مع المستقبل يتضمن أموراً يتدخل فيها الحظ أو سوء الحظ، كما يتطلب إبداء الرأي  والحكم على الأشياء. وقد يصدق هذا الحكم كما أنه قد يخطئ. والخطأ الائتماني لا يرجع إلى عدم تحقيق النتيجة – عند فشل العميل في السداد – إذا كان هذا الفشل راجعاً لأسباب خارجية مثل ظروف طارئة أو غير متوقعة، كما حدث من آثار سلبية على السياحة في مصر بعد حوادث الأقصر 1997 أو بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001. كذلك فإن العبرة عند المحاسبة عن قرارات الائتمان، هي بالنظر إلى الأوضاع التي تم فيها اتخاذ هذا القرار، وليس النظر في ضوء ما ظهر من تطورات لاحقة. وبعبارة أخرى فبقدر ما يلزم من وضع الضوابط الصارمة والإجراءات الفاصلة لاتخاذ قرارات الائتمان، بقدر ما يجب إعطاء مسؤولي الائتمان قدراً معقولاً من الحماية لهم في اتخاذ قراراتهم ضمن الضوابط المرعية وعدم تعريضهم للمساءلة أو تعريض سمعتهم للضرر مما يلجم قراراتهم. فليس أخطر على الاقتصاد من منح الائتمان غير المسؤول، سوى منع الائتمان وتضييقه وحرمان الاقتصاد من فرص النمو والازدهار. إن مسؤولية اتخاذ قرارات الائتمان مسئولية كبيرة، ويجب أن يراعى في اتخاذها العديد من الضوابط، وأن تخضع للمراقبة والإشراف والمراجعة الدائمة، ولكن يجب في الوقت نفسه توفير الاحترام والاستقرار والاطمئنان لمتخذي هذه القرارات. كذلك فإن اختيار مسئولي الائتمان يجب أن يخضع لضوابط دقيقة، وأن تتم مراجعة أوضاعهم بشكل مستمر، ولكن برقة وبغير غلظة.

القول بأن ائتمان البنوك يتوقف على مدى كفاءة الإدارة في البنوك من ناحية، وكفاءة أجهزة الرقابة والإشراف من السلطات النقدية من ناحية أخرى، يتضمن الكثير من أسبابا نجاح الائتمان المصرفي، ولكنه لا يشمل كل شيء. هناك أمور متعقلة بالأوضاع العامة تؤثر في الائتمان رغم أنها تخرج عن مسئولية البنوك والسلطات النقدية. هناك الأوضاع الاقتصادية العامة. فلا شك أن رواج الاقتصاد وانتعاشه بشكل عام يساعدان على تقليل مشاكل الائتمان وحالات التعثر وعدم السداد. وعلى العكس فإن شيوع الكساد والركود الاقتصادي يؤدي بالضرورة إلى تعدد حالات التعثر والإفلاس. كذلك فإن طبيعة النظام القانوني، ومدى ما يتوافر للدائن من حقوق أو للمدين من حماية، يؤدي في مدى القدرة على استيفاء الحقوق وسرعة التنفيذ. ويقوم النظام القضائي بدور أساسي في هذا الصدد من حيث مدى الحماية التي يسبغها على المتعاملين والسرعة التي يتم الفصل بها والفاعلية لتنفيذ ما يصدر من أحكام. وكلما زادت فاعلية القانون والقضاء في حماية حقوق الدائن، كلما زادت قدرة البنوك على التوسع في الائتمان، وبالتالي استطاع المدينون الإفادة من خدمات البنوك. فهناك رأي شائع يرى أن مزيداً من حماية الدائن لتحصيل حقوقه بسرعة وكفاءة يتم على حساب المدين. وهي نظرة – عادة – قصيرة، لا تأخذ في الاعتبار أن مصلحة المدين الأساسية هي أن تكون أبواب البنوك مفتوحة أمامه، وأن يتوسع النظام المصرفي في منح القروض والتسهيلات. وهو أمر لا يمكن أن يتحقق ما لم تكن حقوق البنك – كدائن – متمتعة بحماية كافية، وتؤدي هذه الحماية لحقوق الدائن – في النهاية – إلى خدمة مصالح المدينين، بإتاحة الفرصة أمام البنوك للتوسع في منح الائتمان.

كذلك فإن التشدد في محاسبة مسئولي الائتمان – على تقديراتهم – وليس على أخطائهم المهنية، يؤدي إلى مزيج من التضييق في الائتمان، وفي النهاية معاقبة العملاء والبنوك على السواء. حماية الائتمان تتحقق بمزيد من وضع الضمانات والضوابط عند اتخاذ القرارات، ومزيد من الرقابة والإشراف والمتابعة، ومزيد من التدقيق في اختيار قيادات البنوك، ومزيد من الشفافية، ومزيد من وضوح القوانين وسرعة القضاء. وأخيراً تأتي العقوبات في النهاية، وهي وحدها لا تقيم نظاماً ناجحاً.   والله أعلم

 الخليج: 20.10.2002

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *