عن الثقة والتفاؤل مرة اخرى

عن الثقة والتفاؤل .. مرة أخرى

دكتور حازم الببلاوى

 

ليست المرة الأولى التى أكتب فيها عن “الثقة” أو “التفاؤل”، فقد نشرت العديد من المقالات – كثير منها فى هذه الصحيفة – عن هاذين الموضوعين، وهما، بعد، أمران متكاملان، فيندر أن يتحقق أحدهما دون الآخر. فأساس النجاح هو الثقة فى النفس،والثقة فى الغير، والثقة فى المستقبل. وعندما أتحدث عن “الثقة” فلا أعنى بذلك الغفلة أو الإعتقاد بأن كل شىء على ما يرام، أو ليس فى الإمكان أفضل مما كان! كلا. الثقة لا تتعارض مع النقد أو إكتشاف الأخطاء والمطالبة بالتغيير، ولكنها أيضاً لا تتطلب هدم المعبد وتخوين الآخرين. فالله – عز وجل – خلق الإنسان قاصراً، والكمال للخالق وحده. وهذه نعمة من الخالق لدفع الإنسان للعمل والتقدم. فالإنسان – وإن كان قاصراً – فإنه يسعى إلى الأفضل. ولا يتحقق ذلك إلا بالعمل. وفى العمل يخطىء المرء ويصيب، كما تتعارض المصالح. ومن هنا الحاجة إلى التعديل والإصلاح. فهناك دائماً ما هو أفضل، وليست هناك نهاية “للتجربة والخطأ”. فالإنسان فى رحلة مستمرة للتعليم، وهو لا يتعلم إلا من أخطائه. “فالتجربة والخطأ” تكاد تكون السبيل الوحيد للتقدم.

كذلك ليس صحيحاً أننا محكومون تماماً بالماضى فى ظل “حتمية تاريخية” حديدية لا فكاك منها. حقاً، نحن أبناء تراث تاريخى وحضارى، وتتحدد قدراتنا بحجم ما نملكه من علم ومعرفه، ولكن الصحيح أيضاً أننا نملك إرادة مستقلة وخيالاً للمستقبل. ونظراً لأننا تخلفنا كثيراً، فإن أمامنا فرصة كبيرة فى الإستفادة من تجارب الآخرين، وتجنب الكثير من الأخطاء، وإمكانية إختصارالزمن. فقد إحتاجت إنجلترا إلى ما يزيد على القرن لتصبح قوة صناعية، ونجحت الصين ودول جنوب شرق آسيا فى تحقيق نهضة صناعة لا تقل أهمية فى حوالى ثلاثة عقود. فإذا صلحت النوايا، وتوفرت الخبرة والحكمة، فإننا نستطيع أن نحقق فى عشر سنوات ما تتطلب من الآخرين عقود وعقود. فإذا كان للوصول متاخراً صعوبة ومشقة، فلا ننسى أيضاً أن لها ميزة وفائدة، إذ يمكن أن نتجنب أخطاء الآخرين، والإنتقال إلى الأحسن دون حاجة إلى المرور بالحسن. فالصين وكوريا الجنوبية توفر للصناعة الأمريكية فى أدق المجالات – مثل أبحاث الفضاء – بعض المكونات الصناعية الإلكترونية بأسعار أرخص وربما كفاءة أعلى.

وليس الغرض من هذا المقال التعرض لمجالات الإصلاح، بقدر ما هو التركيز على أهمية العامل النفسى بإستعادة الثقة والتفاؤل بالمستقبل. وعندما ندعو إلى إستعادة الشعور بالثقة والتفاؤل، فإننا لا ندعو إلى خداع النفس، وتجاهل الواقع المرير الذى نعيش فيه والحاجة الماسة إلى التغيير. ولكننا، وبنفس القوة، نؤمن بأن القدرات الخلاقة لدى الإنسان لا مثيل لها، وأن التخلف لقرن أو قرون، ليس حكماً أبدياً. فهناك دائماً متسع للأمل، وليس هناك مستحيلات. فقد سقطت الإمبراطورية الرومانية فى القرن الخامس أو السادس، ووقعت أوروبا فى العصور المظلمة لأكثر من عشرة قرون قبل أن تنهض من جديد منذ نهايات القرن السابع والثامن عشر. وهناك أخيراً مثال دول جنوب شرق آسيا والتى بدأت تحرر منذ الستينات من القرن الماضى لتصبح فى نهاية القرن وبداية القرن الحالى أحد رموز التقدم والتحضر. فلا مجال لليأس.

لا أريد من هذا المقال، أن يفهم القارىء أن تحقيق التقدم يتطلب فقط تغيير الحالة النفسية للأفراد والشعوب. وهذا ليس صحيحاً، فالتقدم يتحقق بالعمل الجاد، وبالعلم وتقبل الصعاب والصبر والمثابرة،… والقائمة طويلة. ولكن الحالة النفسية للأفراد والشعوب لا تقل أهمية أو خطورة. فإذا كان الشعور العام هو اليأس والعجز، وأن تغيير الحال من المحال، وأن أوضاعنا هى قدر محتوم، وأننا غير قادرين، فهذه وصفة للفشل وإجهاض لحلم المستقبل. فالبداية هى الحلم، وإن كان هو وحده لا يكفى، بل لا بد وأن يدعمه العمل والجهد والعرق والدموع. ولكن بدون حلم، وبدون ثقة فى قدرة المصرى على التغيير، والثقة فى الآخرين وبالتالى فى المستقبل، فلا أمل.

لقد فاجأت ثورة 25 يناير، المصريين، فبعد أن فجرها الشباب فى ميدان التحرير إنضمت لها جماهير الشعب فى ملحمة شعبية رائعة أبهرت العالم. ولكن هذه الثورة الرائعة، وأن كانت تعرف ما لا تريد، فإنها لم تكن متفقة على ما تريد. وهكذا ترددت الأحداث، وإختطف الثورة فريق كان أكثر تنظيماً وتصميماً، وإنغلق فى رؤية ما ضاويه تفرق ولا تجمع، تعتمد على “الأهل والعشيرة” وتنكر مفهوم “المواطن”. فكان أن قامت “ثورة” أخرى مكملة، أكثر روعة، لإصلاح المصار فى 30 يونيو، وهى مازالت فى طريقها، بعد أن أنجزت إستحقاقين بالإستفتاء على الدستور وإنتخاب رئيس جديد، وفى طريقها إلى الإستحقاق الثالث والأخير بإنتخاب مجلس النواب. ومازال الطريق طويلاً. ولم تكن المسيرة سهلة بل صاحبتها آلام وتضحيات.

والذى أود أن أقوله هنا، هو أننا خلال ما يزيد عن ثلاث سنوات قد حققنا إنجازات هامة، كان الشعب هو اللاعب الرئيسى فيها. ولكن لم يكن كل ذلك بدون تضحيات أو آلام. لقد سقط عديد من الضحايا والشهداء، وتهدمت منشآت وفقدت البلاد موارد إقتصادية هامة، كما إفتقد العديد من جموع الشعب الشعور بالأمن والآمان فى كثير من الأوقات. ولكن، وهذا هام، لم تكن هذه الآلام والتضحيات هباء أو بلا مقابل. فإننا على أعتاب مرحلة هامة قادمة، تستحق أن نعطيها الفرصة الكاملة لتحقيق الآمال والتطلعات دون مبالغة أو أوهام، فليست هناك عصا سحرية لعمل المعجزات. واننى أعجب لهؤلاء المتشككين بأننا على عتبة “حكم عسكرى”، نظراً لأن من إختاره الشعب جاء من القوات المسلحة. ومصدر عجبى ليس لما يتضمنه هذا الإتهام من إهانة للقوات المسلحة، بل، وهذا هو الأخطر، لأنه إهانة للشعب. فالشعب الذى قام بثورتين خلال أقل من ثلاث سنوات، قادر على حماية “مدنية الدولة”. لابد أن نثق فى أنفسنا، ولابد وأن نثق فى شعبنا، وهذا هو الضمان الوحيد والأصيل.

إن ما نحتاجه أكثر من أى وقت هو الثقة، بدءاً فى الثقة بالنفس، وأيضاً الثقة فى الغير فضلاً عن الثقة فى المستقبل. وبهذه “الثقة” نضع اللبنة الأولى لمستقبل مصر. فإذا حاصرتنا الشكوك فى أننا غير قادرين على حماية منجزات ثورتى 25 يناير / 30يونيو، فلا امل. فرغم كل التضحيات والآلام التى مرت بنا خلال السنوات الماضية، فإن ما تحقق ورغم ما واجهناه من إضطراب داخلى ومضايقات خارجية، فإن ما أنجز يستحق إستعادة الثقة بالنفس وبالمستقبل. وعندما أتحدث عن إستعادة الثقة فإننى أشير إلى واحد من أهم عناصر النجاح والتقدم.

لقد ذكرت فى كتابات سابقة لى، أن تطور وتقدم الأمم لا يرجع فقط إلى إعتبارات إقتصادية وسياسية من تراكم رؤوس الأموال أو توافر الموارد الطبيعية أو المالية أو تحقيق الثورة العلمية والتكنولوجية أو إختيار النظم والسياسات المناسبة، وإنما يرجع إلى توافر أو عدم توافر مقومات ثقافية فى علاقات المجتمع ببعضه، ومن أهم هذه المقومات الثقة والإطمئنان للآخرين. فثقافة الثقة – مقابل ثقافة الريبة والتربص – هى أحد أهم أسس تقدم الأمم. ومنذ سنوات نشر المؤلف الأمريكى فوكوياما، كتاباً بعنوان “الثقة” Trust، كما سبقه مفكر فرنسى ( آلان بيرفت) بعنوان “مجتمع الثقة” La Societe de Confiance ، وكلاهما يبين فى ضوء دراسات لمجتمعات مختلفة أن “الثقة”، هى ما يمثل “رأس المال الإجتماعى” اللازم لتحقيق التقدم. إننا الآن أحوج ما نكون إلى إستعادة الثقة بأنفسنا وبالغير وبالمستقبل. ومجتمع “الثقة” هو أيضاً “مجتمع التسامح” والقبول بالرأى و الرأى الآخر، ومناقشة ، الرأى والرأى المخالف، بالتى هى أحسن. فالمجتمعات الأكثر تقدماً هى أيضاً المجتمعات الأكثر صدقاً وصراحة، على عكس مجتمعات الريبة والكذب. فالثقة من مظاهر التقدم، وأيضاً من أسبابه. والله أعلم.

   الاهرام 19 يونيو 2014    

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *