لا كنيسة فى الإسلام

رغم أننى فى أجازتى الصيفية والتى وعدت فيها بالتوقف عن الكتابة، فقد رأيت أن أخرج عن هذا الصمت الصيفى بمناسبة ما يدورمن حديث حول النص فى الدستور على مرجعية الأزهر الشريف للإسلام. وهذا موضوع جدل يستحق مناقشة عامة من أجل الإسلام ومصلحة الأزهر الشريف نفسه.

وبداية أعود للتذكير بمسألة أولية وهى تحبيذ أن يكون الدستور قصيراً وأن يقتصر على حماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد من ناحية، مع تحديد أساليب ممارسة السلطة وتوزيعها ومدة البقاء فيها من ناحية أخرى. أما ماعدا ذلك فمجاله القانون العادى الذى يصدر فى إطار الدستور ومن خلال السلطات المنصوص عليها فى هذا الدستور. وقد سبق أن نشرت مقالاً فى جريدة الشروق بتاريخ7 مايو 2011 بعنوان “دستور” “طويل أو قصير” محبذاً فيه الأخذ بأسلوب الدستور القصير الذى يقتصر على الأمرين السابقين فى حماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد من ناحية، وتحديد سلطات الدولة الرئيسية وحدود إختصاصاتها من ناحية أخرى، أما ماعدا ذلك فمجاله الطبيعى هو القانون العادى.

فقواعد الدستور هى بطبيعتها قواعد جامدة لا تقبل التغيير والتبديل بسهولة، ولذلك يجب أن تنحصر هذه القواعد فى المبادىء الأساسية للحكم للعلاقة بين الحاكم والمحكومين مع ضمان الحقوق والحريات الأساسية والتى تمثل حقوقاً طبيعية يكتسبها الفرد والمجتمع بحكم طبيعتهما البشرية. وليس الأمر كذلك فى مختلف جوانب الحياة التشريعية الأخرى والتى تنظم الحياة للأفراد من أمور إقتصادية أو إجتماعية أو ثقافية أو بيئية أو غيرها. فهذه أمور غير ثابتة تتطور مع التغيرات التكنولوجية والظروف السكانية والتقلبات البيئية والأوضاع الدولية وغيرها. وتتطلب بالتالى، تعديلاً وتغييراً من وقت لآخر. وهكذا فمن الطبيعى أن تساير القوانين العادية هذه التطورات بل وأحياناً تسبقها وتمهد لها. ومن هنا ينبغى أن تتمتع هذه القوانين ـ على عكس الدستور ـ بدرجة أكبر من المرونة والقابلية للتعديل والتغيير.

وما دعانى اليوم إلى الحديث عن مرجعية الأزهر الشريف للإسلام، ليس مجرد التفضيل لمفهوم الدستور القصير، وإنما تخوفاً على الإسلام نفسه بخلق مؤسسات بشرية تمتلك إحتكار الحديث بإسم الدين. فالإسلام قد جاء لتأسيس علاقة مباشرة بين الفرد وربه، دون واسطة من رجال الدين. فالإسلام لا يعرف ـ كما المسيحية ـ مفهوم “الكنيسة” كواسطة بين الفرد وربه وممثله له على الأرض. ومفهوم رجل الدين مفهوم غريب عن الإسلام. فالإسلام يعرف العلماء ومنهم علماء الدين، ولكنه لا يعرف رجل الدين. ولا توجد مؤسسة دينية كهنوتية فى الإسلام، ولكن فقط معاهد للعلم والدراسات الإسلامية.

إستمد الأزهر الشريف مكانته فى نفوس المسلمين فى مصر وفى غيرها بعلمه وإجتهاده ومواقفه وبالتالى ثقة الأفراد فيه، وليس بنصوص قانونية أو دستورية. وقد عانت أوروبا فى العصور الوسطى نتيجة لسلطة “الكنيسة” التى إحتكرت ـ بقوة السلطة ـ الحديث عن الدين. أما الإسلام فقد ولد دون كنيسة أو كهنوت، وإكتسب علماء الدين نفوذهم فى الإسلام من ثقة الشعوب فى علمهم وفى مصداقيتهم. فلم يكرس المذاهب الكبرى فى الإسلام للأئمة مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعى أو غيرهم من العلماء سلطة حاكم أو قانون أو دستور، وإنما هى ثقة الناس فى علمهم وتقواهم. وهذا هو المذهب السنى الذى عرفته معظم الشعوب الإسلامية. وعلى العكس من ذلك، فقد قام المذهب الشيعى على فكرة “الإمامة”، وأن أمور الإسلام بعد وفاة الرسول عليه السلام إنتقلت إلى يد “إمام” يتمتع بالعصمة ويعبر عن الإرادة الإلهية. وجاءت الثورة الإيرانية وقننت هذا الإتجاه فيما عرف بمرجعية “الإمام”. ولسنا فى مصر فى حاجة إلى إقتباس هذا التقليد.

الأزهر الشريف يحتل فى قلوب المسلمين مركزاً متميزاً يرجع إلى ما يتمتع به هذا المعهد العريق من علم وإخلاص وإستقلال فى الرأى، وليس إعتماداً على نصوص فى الدستور. فمرجعية الأزهر ترجع إلى ما يستقر فى النفوس وليس لما يرد فى النصوص. وقد ولد الإسلام وإزدهر فى بيئة حرة يتمتع فيها العلماء بأكبر قدر من الإحترام والتقدير ورجاحة العقل والقدرة على فهم روح الإسلام والدفاع عنه مع مراعاة تطور الظروف. فمرجعية الأزهر الشريف ليس مجالها نصوص الدستور، وإنما ترجع هذه المرجعية إلى ثقة المجتمع فى علم علماء الأزهر وتحررهم ومدى حرصهم على الإحتفاظ بهذه المكانة فى النفوس، وهم قادرون على متابعة ما يجرى على الأرض من تغيرات. وقد عدل الإمام الشافعى مذهبه بعد إنتقاله إلى مصر مراعاة لظروف البلد.

الإسلام لم يعرف فى تاريخه كنيسة، ولا نريد أن يأتى الدستور ليغير من هذه التقاليد المستقرة والطويلة. الدستور وثيقة سياسية لعلاقة الحاكم والمحكومين، وليس وثيقة عقائدية لضبط العلاقة بين المولى عز وجل وبين العباد. رجاء لا تدخلوا الدستور فى هذه المسالك الخطيرة. الأزهر قوى بثقة المسلمين فيه، وهذا يكفى.

أننا نعتز جميعاً بالأزهر الشريف، ومكانته فى القلوب لا يعادلها شىء، وهو ليس فى حاجة إلى نصوص دستورية. فإذا لم ينجح الأزهر فى حماية هذه المكانة بعلم علمائه وتقواهم، فلن تنفعه نصوص دستورية بل أنها قد تخلق وضعاً شبيهاً بما عانت منه المسيحية فى العصور الوسطى. ولعلى أضيف لمحة شخصية متعلقة بإرتباطى العاطفى بهذا المعهد الجليل. فقد كان أحد أجدادى ( الشيخ على الببلاوى ) شيخاً لهذا الصرح الشامخ فى بداية القرن العشرين. وأنا فخور بهذا النسب كثير الإعتزاز به، ولكنى قلق على مستقبل الأزهر إذا إستمد سلطته ونفوذه من نصوص قانونية حتى وإن كانت الدستور. والله أعلم.

الاهرام 16 يوليو2012

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *