Warning: session_start() [function.session-start]: open(d:\hshome\hazembeb\tmp\sess_98e0df8f7fe359ef136836dbd9f47f5f, O_RDWR) failed: No space left on device (28) in D:\hshome\hazembeb\hazembeblawi.com\wp-content\themes\german-newspaper\header.php on line 4
لجنة بازل والرقابة على البنوك | Hazem Beblawi - حازم الببلاوي

لجنة بازل والرقابة على البنوك

بالنسبة للكثيرين الحديث عن “لجنة بازل” ودورها في الارتقاء بمهنة البنوك أمر غير معروف، ولكنه يمثّل بالنسبة لرجال البنوك أحد أهم مظاهر ممارسة مهنة البنوك في العصر الحديث. فما هو الأمر بالضبط؟

بازل هي مدينة في سويسرا وهي مقر بنك التسويات الدولية ويرمز له BIS اختصاراً لاسمه بالإنجليزية. وكان هذا البنك قد أنشئ غداة نهاية الحرب العالمية الأولى عندما فرضت الدول المنتصرة في الحرب تعويضات مالية على الدول المنهزمة (ألمانيا) وذلك بمقتضى معاهدة فرساي. وجاء إنشاء هذا البنك لتسهيل تحصيل التعويضات المفروضة على ألمانيا. ولكن الظروف ما لبثت أن تغيرت. فنشر كينز الاقتصادي البريطاني المعروف كتاباً عن “الآثار الاقتصادية للسلام” يهاجم فيه مبدأ فرض التعويضات على ألمانياً مؤكداً أنه يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي. ثم لم يلبث أن وصل هتلر إلى حكم ألمانيا فمزق معاهدة فرساي وامتنع عن دفع التعويضات وبذلك انتفى الغرض الذي أنشئ بتك التسويات الدولية من أجله. ولكن كل ذلك لم يفقد البنك دوره، فبحث عن مهمة جديدة حيث أصبح ملتقى للبنوك المركزية العالمية، يوظف احتياطياتها ويقدم خدمات مالية لهم. وبعد الحرب العالمية الثانية استمر هذا البنك في القيام بدوره وخاصة فيما يتعلق بالارتقاء بمهمة البنوك المركزية، حيث يجتمع محافظو هذه البنوك – بالنسبة للدول الصناعية – مرة كل شهر على مدار أحد عشر شهراً في السنة مع أخذ إجازة خلال شهر أغسطس.

ومنذ السبعينات من القرن الماضي وجد محافظو البنوك المركزية أن المنافسة بين البنوك الكبرى لدولهم لم تكن دائماً عادلة بالنظر إلى اختلاف مستوى القيود التي تفرض على هذه البنوك في مختلف الدول. فبعض الدول تضع قيوداً مشددة على البنوك في حين أن البعض الآخر يأخذ بنظم أكثر تساهلاً. ولذلك فقد وجدوا أنه من المناسب تحقيق أكبر قدر من التناسق بين هذه القواعد للرقابة على البنوك، وقرر محافظو الدول الصناعية العشر الكبرى (كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، دول البينيلوكس (بلجيكا، هولندة، لوكسمبورغ) إسبانيا، السويد، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة) إنشاء “لجنة بازل للرقابة على البنوك” من هذه الدول وبحيث تجمتع في إطار بنك التسويات الدولية لوضع تنظيم مناسب يضمن المنافسة العادلة  بين هذه البنوك وكان ذلك في 1974. وبذلك ولدت “هذه اللجنة” بمبادرة من البنوك المركزية للدول الصناعية العشر الكبرى.

وهكذا ظهرت على الساحة “لجنة بازل للرقابة على البنوك”. فهي تنظيم غير رسمي Informal بين محافظي الدول الصناعية العشر في إطار بنك التسويات الدولية في بازل، وذلك لتنسيق شروط العمل المصرفي فيما بين هذه الدول، وبما يوفر أكبر قدر من الاتساق في القيود المفروضة على العمل المصرفي بينها بغرض توفير درجة أكبر من المنافسة السليمة في عمل هذه البنوك العالمية. وعندما نقول بأنها تنظيم غير رسمي فإننا نقصد بذلك أنها ليست وليدة اتفاق أو معاهدة دولية وإنما هي مجرد تفاهم بين بنوك الدول الصناعية على تنسيق المواقف في ميدان ممارسة مهنة البنوك بأكبر قدر من الحرفية.

وبعد اجتماعات ومشاورات متعددة من خلال فرق عمل متخصصة وصلت اللجنة إلى اتفاق لوضع قواعد “لكفاية رأس المال” لدى البنوك. والمقصود بذلك وضع حدود دنيا لنسبة رأس المال المتوافر للبنك مقابل القروض والتسهيلات الائتمانية التي يمنحها البنك للعملاء. وعرف هذه الاتفاق الذي صدر في 1988 “باتفاق بازل لكفاية رأس المال”. ولكن هذا الاتفاق – والذي يربط الدول الصناعية – ميز بين القروض والتسهيلات التي تمنح لحكومات الدول أو البنوك العاملة في دول منظمة التعاون الاقتصادي (وهي الدول الصناعية) وبين القروض والتسهيلات لغير هؤلاء من خارج هذه المنظمة. فالقروض والتسهيلات التي تمنح لدول وبنوك دول تلك المنظمة تعتبر قروضاً وتسهيلات خالية من المخاطر، ولذلك فإنه لا يشترط فيها الاحتفاظ بأية نسبة من رأس المال كضمان. وبالنسبة لباقي القروض والتسهيلات للأفراد أو المشروعات فإن الاتفاق يتطلب من البنوك أن تحتفظ بنسبة 8% من رأس المال. بمعنى أن البنوك تستطيع أن تقرض للأفراد والمشروعات ما يعادل 12 ضعفاً تقريباً من رأسمالها، ولا يجوز أن تقرض ما يجاوز ذلك إلا بعد زيادة رأس المال. ويستثنى من ذلك القروض لحكومات وبنوك دول منظمة التعاون الدولي – وهي معظم الدول الصناعية في أوروبا وأمريكا واليابان – دون قيود. وهكذا فإن اتفاق بازل في 1988 ميز أعضاء “نادي” دول منظمة التعاون الاقتصادي بمعاملة متميزة وذلك باستثناء القروض التي تمنح لحكوماتها أو لبنوكها من نسبة رأس المال المطلوبة. ونظراً لأن هذا الاتفاق صدر في 1988 في وقت كانت فيه الدول النفطية مؤثرة في الأسواق المالية، فقد وافق واضعو اتفاق بازل في ذلك الوقت على إضافة السعودية – حكومة وبنوك – إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي وإعطائها نفس المعاملة. ولا يخفى أن هذا الوضع قد ميّز ليس فقط حكومات دول منظمة التعاون الاقتصادي بل أيضاً البنوك العاملة بها.

وهذا باختصار ما عرف باسم اتفاق بازل لكفاية رأس المال والذي صدر في 1988. فهو اتفاق غير رسمي بين البنوك المركزية للدول الصناعية العشر، بوضع قيود على بنوكها بحيث لا تتوسع في القروض والتسهيلات الائتمانية بلا حساب بل لابد من وضع قيد بألا تجاوز هذه القروض والتسهيلات الائتمانية ما يعادل اثني عشر ضعفاً لرأس مالها تقريباً، وهو الأمر المعروف بكفاية رأس المال.

ولكن الجديد والذي لم يكن متوقعاً هو أن هذه القيود على البنوك لم يعد ينظر إليها باعتبارها مجرد اتفاق بين الدول الصناعية العشر، بل أصبح ينظر إليها باعتبارها معياراً لسلامة النظام المصرفي. فكل دولة – حتى خارج الدول الصناعية العشر – أصبحت ترى أن عدم مراعاة هذه النسب في بنوكها الوطنية هو دليل على عدم سلامة المراكز المالية لهذه البنوك. فأصبح المجتمع المالي العالمي ينظر إلى اتباع هذه النسب باعتبارها ضماناً للسلامة المالية للبنوك، والأخطر من ذلك هو أن مؤسسات التمويل الدولية والبنوك العالمية أصبحت تعتبر أن كفاية رأس المال كما حددتها لجنة بازل هو ما يمثّل الحد الأدنى لسلامة البنوك، وبالتالي أصبحت تتحدد الجدارة الائتمانية والقدرة على الاقتراض للدول وفقاً لمدى التوافق مع هذه المعايير. وترتب على ذلك أن تحول دور “لجنة بازل للرقابة على البنوك” من مجرد لجنة تجمع ممثلي البنوك المركزية الصناعية إلى نوع من الرقيب العالمي على سلامة العمل المصرفي. وأصبحت لجنة بازل بذلك نوعاً من المشرع العالمي – غير الرسمي – لوضع قواعد الرقابة على البنوك وبصفة عامة لتحديد معايير الأداء المصرفي السليم. ورغم أن قرارات هذه اللجنة لا تتمتع بأية صفة قانونية إلزامية، فإنها تتمتع في العمل بقدر كبير من الاحترام الفعلي. وبناء على ذلك بدأت اللجنة في التوسع في أعمالها، ولم تقتصر على مناقشة أوضاع المنافسة بين بنوك الدول الصناعية بل توسعت بالتعرض إلى شروط الإدارة السليمة لإدارة البنوك بشكل عام.

وفي خلال التسعينات من القرن الماضي عرفت صناعة البنوك تطورات هائلة. فمن ناحية أدت الثورة التكنولوجية في المعلومات والاتصالات إلى تغيير هام في أساليب عمل البنوك، ومن ناحية أخرى طورت البنوك الكبرى أساليب داخلية متعددة لقياس المخاطر مما أدى إلى ظهور أدوات مالية جديدة مثل ما عرف بالمشتقات المالية وغير ذلك مما غير كلياً البيئة التي تعمل فيها البنوك. وفي نهاية التسعينات من القرن الماضي وقعت الأزمة المالية الآسيوية، وتبين أن المشكلة ليست فقط في السلامة المالية لكل بنك على حدة، وإنما هناك حاجة ملحة لاستقرار القطاع المالي في مجموعه. فما حدث في تايلاند خلال شهر يوليو 1997. لم يلبث أن انتقل – بطريق العدوى – إلى معظم دول جنوب شرق آسيا وخارجها مما هدد اقتصادات الدول الصناعية نفسها. ومن هنا ظهرت أهمية وضع القواعد والمعايير الدولية لضبط العمل المصرفي.

ولكل ذلك استمر عمل لجنة بازل لوضع قواعد ومعايير العمل المصرفي، فأصدرت في عام 1997 المبادئ الأساسية Core Principles للرقابة الفعالة على البنوك (25 مبدأ) وهي تتناول مختلف جوانب الإدارة السليمة في البنوك. وبدأت منذ 1999 المناقشات لإعادة النظر في اتفاق البازل لكفاية رأس المال، وينتظر أن تصدر التعديلات الجديدة في وقت قريب فيما يعرف “باتفاق بازل الثاني لكفاية رأس المال” والذي ينبغي على الدول تطبيقه في نهاية عام 2006.

ويختلف هذا الاتفاق الثاني لبازل عن الاتفاق الأول اختلافاً جوهرياً. فلم يعد الأمر قاصراً على وضع حد أدنى لكفاية رأس المال بالنسبة للقروض والضمانات، وإنما تضمن الاتفاق الجديد منظومة كاملة لأسلوب إدارة المخاطر التي تواجهها البنوك. فالاتفاق الجديد يتضمن ثلاثة دعائم؛ الأولى عن “مستلزمات رأس المال”، وهي تطوير لاتفاق بازل الأول، وإن كان يتضمن إلغاء التفرقة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي وبقية العالم، فالعبرة في آخر الأمر هي بحجم المخاطر الحقيقية. وهنا ينبغي هنا الاحتكام إلى السوق، قدر الإمكان، في تقدير هذه المخاطر. وقد طور الاتفاق الجديد أساليب جديدة لكيفية تقدير المخاطر بشكل يعطي دوراً أكبر لحكم السوق وليس بشكل تحكمي أو جزافي. ولكن الجديد هو أن الاتفاق الجديد تضمن دعامتين آخرين، أحدهما (الدعامة الثانية) وهي تتعلق “بالرقابة على البنوك” وتحقيق الإدارة السليمة للمخاطر، والآخر (الدعامة الثالثة) عن “انضباط السوق”. فسلامة البنوك لا تتوقف فقط على توفير نسبة لرأس المال مقابل القروض والتسهيلات، ولكن هذه السلامة تتوقف على مراعاة كل قواعد الإدارة السليمة في البنوك فضلاً عن توفير الشفافية في نشر البيانات المالية والانضباط في السوق بشكل عام.

ولعل أهم ما يهم الدول النامية، ومنها مصر، هو ضرورة التوافق مع هذه الدعامة الثانية المتعلقة “بالرقابة على البنوك”، وهي تشير بشكل ما إلى عدد من المبادئ التي أقربها لجنة بازل للرقابة على البنوك، وتمثّل هذه المبادئ أهم ما استقر في العرف المصرفي عن إدارة المخاطر. أما ما جاء من تجديد في الدعامة الأولى عن “مستلزمات رأس المال” أو ما ترتب على إضافة الدعامة الثالثة عن “انضباط السوق” فإن الجديد فيها – بشكل عام –  يهم بالدرجة الأولى البنوك العالمية الكبيرة ذات النشاط الدولي. وسوف تظل أهميتها العملية للدول النامية محدودة لعدة سنوات قادمة.

لقد أصبح التوافق مع متطلبات لجنة بازل أمراً لازماً للنجاح الاقتصادي المعاصر. فمتطلبات لجنة بازل لم تعد، كما كان الأمر، عند صدور اتفاق 1988 مجرد تفاهم بين بنوك الدول الصناعية، وإنما أصبحت في ظل التطورات المعاصرة في الأسواق المالية تعبيراً عن السلامة المالية للقطاع المصرفي. وتتحدد الجدارة الائتمانية للدولة بالأخذ بالعديد من المؤشرات في مقدمتها مدى سلامة النظام المصرفي في ضوء مدى توافقها مع معايير الإدارة الحسنة كما حددتها لجنة بازل. وأصبحت المؤسسات الدولية – مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي – ترى في اتباع هذه المتطلبات تعبيراً عن هذه السلامة المالية للمؤسسات المالية.

والحديث عن الاستثمار الأجنبي لم يعد مجرد تصريحات سياسية بأن كل شيء على ما يرام، وإنما أصبح مرتبطاً بأداء للقطاع المصرفي بالتوافق مع المتطلبات العالمية للسلامة المالية كما تحددها المؤسسات العالمية وعلى رأسها لجنة بازل. وتعتبر اتفاقية بازل الثانية ومدى الالتزام بأحكامها مقياساً لقدرة الدولة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية. وما عدا ذلك لا يعدو أن يكون كلاماً للاستهلاك المحلي، قد يريح الأعصاب ويطمئن الناس، ولكنه لا يغني ولا يسمن من جوع. فالاستثمارات لن تأتي ما لم نصل إلى مستوى معقول من حسن الأداء المالي.   والله أعلم.

الأهرام: 18.7.2004


No Comments so far.

Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.


Warning: Unknown: open(d:\hshome\hazembeb\tmp\sess_98e0df8f7fe359ef136836dbd9f47f5f, O_RDWR) failed: No space left on device (28) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (d:\hshome\hazembeb\tmp) in Unknown on line 0