الأهرام

التعاون والمنافسة فى المجتمعات

التعاون والمنافسة فى المجتمعات

دكتور حازم الببلاوى

قرأت بحثاً لأحد العلماء الفرنسيين المتخصصين فى الطب النفسى (سيرج جنجر  Ginger) فى مجال التكوين العصبى والذهنى للرجل والمرأة. وهو يؤكد ـ فى ضوء العديد من الأبحاث ـ أن المرأة أقرب فى طبيعتها إلى ترجيح إعتبار “التعاون” فى علاقاتها الإجتماعية، فى حين الرجل أكثر ميلاً إلى ترجيح إعتبار ” المنافسة” فى علاقاته. وهو يفسر هذا التمايز بين الجنسين بإختلاف التكوين العصبى والذهنى لكل من الرجل والمرأة. ويضيف إلى ذلك، بأن فترة التكوين الأساسية للإنسان قد تبلورت فى إطار توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة فى بداية التطور البشرى، حيث كان الرجل يسعى للصيد والقنص خارج المنزل فى مساحات شاسعة فى إطار من التنافس مع الآخرين، فى حين ظلت المرأة فى بيتها لتربية الأطفال والتعاون مع الأقارب والجيران فى نفس القبيلة أو العشيرة. وهكذا يتكامل “التعاون” و”المنافسة” فى توازن معقول داخل الأسرة ـ بين الرجل والمرأة ـ  بإعتبارها الخلية الأولى لتكوين البشرية.

ولست مؤهلاً للحكم على رأى هذا الباحث من الناحية البيولوجية أو السيكولوجية، ولكنى وجدت أن نظريته عن تعايش مفهومى “التعاون” و”المنافسة” ورسوخهما منذ بداية الخلية الأولى للبشر، يتفق مع ملاحظة أن نجاح الجماعات البشرية المعاصرة يتوقف، إلى حد بعيد، على التوفيق فى توفير درجة من التوازن والتكامل بين إعتبارى “التعاون” و”المنافسة”. “فبالتعاون” يتحقق تماسك المجتمعات وإستقرارها، كما أنه مع توافر درجة من “المنافسة” بين الأفراد، فإنها تنجح فى تحقيق الكفاءة والقدرة على التطور والتقدم. فبدون “تعاون” بين أبناء الجماعة تتحلل أواصر الإرتباط بها وينفرط عقدها، بل وقد يفنى أفرادها. ولكن، وبالمقابل، فإذا إفتقدت الجماعة القدرة على الإبتكار والتجديد، فإنها تضعف أمام الجماعات الأخرى الأكثر قدرة وكفاءة. فالجماعة بقدر ما هى فى حاجة إلى تعاون أفرادها وتماسكهم لحماية إستقرارها وبقائها، فإنها أيضاً فى حاجة إلى التجديد والإبتكار وإكتشاف المجهول للبحث عن الجديد وتحسين قدراتهما الإنتاجية. فالمجتمع ـ كل مجتمع ـ فى حاجة إلى الإستقرار والتماسك، وبالتالى “التعاون” فى إطار مقبول من القيم والتقاليد المستقرة. ولكن المجتمع يتآكل مع الجمود والتحجر وعدم التجديد، وهو كثيراً ما يكون فى “منافسة” مع مجتمعات أخرى بل وبين أفراده، وعليه أن يحتفظ بحيويته وقدرته على التطور والتغيير. وهكذا فإن على المجتمع الصحى السليم أن يحقق درجة من التكامل والتعايش بين إعتبارى “الإستقرار” و”التغيير”. وكل منهما يغذى الآخر ويقويه.

وقد سبق أن نشرت كتاباً منذ فترة بعنوان ” التغيير من أجل الإستقرار” (1992). وقد صدر هذا الكتاب فى وقت كان الخطاب السياسى السائد، يقاوم “التغيير” بحجة أن “التغيير” يمكن أن يعكر أجواء “الإستقرار”، كما لو كان هناك تناقض بين الأمرين. وكانت دعوة الكتاب ـ آنذاك ـ هى التأكيد بأن العكس هو الصحيح، وأن ما يهدد “الإستقرار” هو الجمود وليس التغيير. فسنة الحياة هى التغيير وملاحقة التطورات، إن لم يكن العمل على إستباقها. وعبرت عن ذلك، آنذاك، بأن “الإستقرار” يتطلب توازناً مستمراً بين ظروف الحياة المتغيرة من ناحية، والنظم والقواعد المستقرة من ناحية أخرى. وهو توازن لا يتحقق إلا بمتابعة هذه التطورات وأحياناً بالإسراع بها وليس بالوقوف أمامها، فهو “توازن متحرك”، أقرب إلى توازن راكب الدراجة، حيث يستمر توازنه طالما ظل متحركاً إلى الأمام، وفقط يختل توازنه ويسقط من فوق دراجته إذا توقف عن السير. “فالتغيير” هو حقاً من سنن الحياة، ولكن “الإستقرار” هو أيضاً إستجابة لإحتياجاتها. واليوم أضيف إلى أن التغيير لا يتم فقط إستجابة لضرورات الحياة، وإنما أيضاً إستباقاً لها.

وبطبيعة الأحوال، فإننا عندما نقول بأن “الإستقرار” يحتاج إلى درجة من قبول “التغيير”، فلا يعنى ذلك أن المطلوب هو قلب الأوضاع رأساً على عقب، وإنما المقصود هو إتاحة المجال للتغيير والتعديل، وفتح الفرص أمام الأفكار الجديدة، وتشجيع المبادرة والإبتكار. وهى كلها خروج على المألوف دون أن تكون إنقلاباً عليه، فهى نوع من المرونة التى تسمح بالحركة وإتاحة الفرصة للجديد دون هدم المعبد. فالتكامل والتعايش بين إعتبارى “التعاون” و”المنافسة” بما يتطلبه ذلك من “تجديد” مع “الإستمرار” ودون قطيعة أمر لا غنى عنه. وبذلك، فإن المطلوب هو مزيج من “التعاون” فى إطار من القيم والقواعد المستقرة، مع “المنافسة” للتحسين والإتقان وفتح آفاق جديدة فى ظل المعطيات المتجددة. وبذلك يتعايش كل من “التعاون” و”المنافسة” فى معظم المجالات. فالطالب أو التلميذ لابد أن يتعاون مع زملائه ويشاركهم فى أنشطتهم داخل الفصل، كما فى الحوش وخارج المدرسة، ولكنه يتنافس ليحصل على أعلى الدرجات. ونفس الشئ بالنسبة للموظف فهو ليس فى صراع مع زملائه، بل هو يتعاون معهم، ودون ذلك يتوقف سير دولاب العمل. ولكن هذا لا يمنعه من محاولة التميز وإبداء الآراء والإقتراحات التى تحسن سير العمل وتؤدى إلى تقدمه الوظيفى، وهكذا. بل أن التاجر، وحيث يباشر نشاطه فى مجال يتميز أساساً بالمنافسة، فإن عليه أن يوثق أيضاً علاقاته مع منافسيه، وهو فى حاجة إلى التعاون معهم لضمان إستقرار تقاليد المهنة وحرصاً عليها. وهكذا نجد أن الجميع، يمارس بدرجة أو أخرى أشكالاً للتعاون والمنافسة، وبما يضمن “الإستقرار” من ناحية، ويتيح “التقدم” والتميز من ناحية أخرى.

ورغم كل هذا، فإن هناك مجالات يغلب عليها “التعاون” بدرجة أكبر، ومجالات أخرى تتميز “بالمنافسة” والمناورة والتجديد والمبادرة بشكل أوضح. ويمكن أن نميز هنا بين مجالين، الأول يغلب عليه إعتبارات “التعاون”، والآخر يتميز بحاجته بدرجة أكبر إلى المنافسة والمبادرة. والمجال الأول هو مجال “العلاقات الإجتماعية”، والمجال الآخر هو مجال “النشاط الإقتصادى”. ففيما يتعلق بالعلاقات الإجتماعية داخل الأسرة، أو مع الجيران، أو فى العمل، أو فى آداب السير فى الطريق، وغيرها من مظاهر التواصل المجتمعى. فإننا هنا نكون ـ عادة ـ بصدد مجال تحكمه قواعد وآداب التواصل والنجدة والمجاملة والحرص على شعور الآخرين.. وهكذا. فهذا مجال تغلب عليه إعتبارات “التعاون” وإحترام مجموعة مستقرة من القواعد والقيم الأخلاقية والتى تتميز بقدر كبير من الإستقرار والدوام. وإذا كان من الطبيعى أن تعرف هذه المجالات بعض التغيرات، فالغالب عليها الإستقرار أو التطور البطئ. وإذا إنتقلنا إلى المجال الإقتصادى، فإن المحرك الأساسى فيه هو “المنافسة” والقدرة على الإبتكار، بل وأحياناً المغامرة، إن لم يكن، المقامرة. فإذا كان الإستقرار والتقاليد هو طابع “العلاقات الإجتماعية”، فإن التجديد والمبادرة والرغبة فى التميز هو أهم ما يميز “النشاط الإقتصادى”. وهكذا يتمايز السلوك فى المجالين. فالعلاقات الإجتماعية تقوم على قيم الإنصاف فى المعاملة والكرم فى التصرفات والتضحية من أجل الغير ومساعدة الضعيف. أما العلاقات الإقتصادية فإنها تستند إلى مفهوم “الإنتاجية” وإنتهاز الفرص المتاحة وإتخاذ المبادرات غير المتوقعة. وهكذا نجد أنفسنا، بصدد قواعد مختلفة ـ وإن كانت متكاملة ـ للسلوك. ولكن ذلك لا يعنى أن السلوك الإقتصادى يفتقد الأساس الأخلاقى، بل العكس تماماً، فأهم قيم النشاط الإقتصادى هى الأمانة فى العمل والوفاء بالعهد وأداء الإلتزامات فى مواعيدها. ولكن نظراً لأن النشاط الإقتصادى أكثر إرتباطاً بتطور التكنولوجيا وفتح الأسواق وإقامة العلاقات التجارية، مما يتطلب يقظة وسرعة وبالتالى الحاجة إلى التغيير والتطوير. وليس بغريب أن تجد نفس الشخص يعمل فى إطار نشاطه الإقتصادى فى إطار من المنافسة الحادة، فى حين أنه ـ شخصياً ـ وفى إطار النشاط الإجتماعى يغدق بسخاء للأهداف الإجتماعية من مساعدة الفقراء أو تقديم الدعم للطلبة المتفوقين أو بناء المستشفيات للمحتاجين. وهناك، فى عديد من البلدان، تقاليد مستقرة بقيام كبار الأثرياء بنشاط إجتماعى كبير كنوع من المسئولية الإجتماعية. ويبرز هذا النموذج بشكل خاص فى الولايات المتحدة. فأمثلة مثل بافت Buffett أو بيل جيتس Bill Gates أكبر أثرياء أمريكا، ومن المشهورين بضراوتهم فى المنافسة بلا رحمة مع منافسيهم، ولكنهم ـ مع ذلك ـ هم أكبر المتبرعين لأعمال البر. وهناك تقاليد قديمة ومستقرة بتنازل كبار الأثرياء عن ثرواتهم أو أجزاء منها لإنشاء مؤسسات علمية أو مجتمعية مثل إنشاء جامعة ستانفورد أو معهد كارنيجى. ولم تخل مصر من مبادرات مماثلة مثل إنشاء جامعة فؤاد الأول أو مستشفى المواساة بالأسكندرية، فضلاً عن امثلة عديدة من لبناء المساجد والكنائس.

وهكذا يتضح أن المجتمع السليم هو مجتمع متعدد الأبعاد، فهو مجتمع متماسك تحكمه مجموعة من القواعد والقيم الراسخة والتى توفر له الإستقرار والإستمرار فى خاصة فى إطار العلاقات الإجتماعية، فى نفس الوقت الذى تسوده أخلاقيات المبادرة والإبتكار لزيادة القدرات الإنتاجية والتنافسية فى مجال الإقتصاد. ومفهوم “الإستقرار” لا يقتصر على الحاضر، بل أن له بعداً مستقبلياً، فإذا كان المستقبل يتطلب آفاقاً جديدة، فلا بد من سبرها، وإعطاء الفرصة لمن لديهم هذه الرؤية المستقبلية، من إقتناص هذه الفرص، مع تحمل مخاطرها بالكسب أو الخسارة. ومن هنا أيضاً، فإن مفهوم “العدالة” ينبغى أن ينظر إليه من خلال رؤية مستقبلية، وأن زيادة القدرات الإنتاجية الآن، هى ضمانة لإمكانية توفير العدالة غداً. فالعدالة الحقيقية لا تتحقق إلا فى مجتمع يتمتع بالكفاءة والقدرة. ومن هنا فإن تشجيع هذه الكفاءات ليس فقط مكافأة للمخاطرة، بقدر ما هو توفير الظروف المناسبة للعدالة فى المستقبل، لأنه لا عدالة مع الفقر. وزيادة القدرات الإنتاجية اليوم هو ضمان لمزيد من العدالة غداً. وكثيراً ما تناقش قضايا الكفاءة الإنتاجية كما لو كانت منافساً للعدالة، والحقيقة أن الكفاءة هى الضمان الحقيقى للعدالة. فكلما زادت قدرات وكفاءة البلد الإنتاجية كلما زادت إمكانيات تحقيق العدالة. ودون ذلك ينحصر حديث العدالة على توزيع الفقر وتعميمه. فتقدم الأمم يتوقف فى نهاية الأمر على قدراتها الإنتاجية، مع الأخذ فى الإعتبار أنه يصعب تحقيق هذه الكفاءة طالما إستمر الشعور بإنعدام العدالة والإنصاف.

وهكذا يتضح أن حديث التعاون والمنافسة ليس حديثاً عن أمرين متعارضين، بقدر ما هما جناحاً سياسية واحدة تضمن توفير أكبر قدر من التعاون والإستقرار، فى نفس الوقت الذى توفر فيه الفرص للتغيير من خلال المنافسة المشروعة.

ويتضح من حديثنا السابق أن هناك أكثر من لاعب على الساحة. فهناك ما يمكن أن نطلق عليه “المجتمع المدنى” أو الأهلى وهو الأكثر خضوعاً لإحتياجات “التعاون”. ولكن هناك لاعب آخر لا يقل أهمية وهو “القطاع الإنتاجى أو الإقتصادى” الذى يتطلب أكبر درجة من المنافسة. فإستمرار كفاءة الإنتاج لا تتحمل التراخى بل لابد من اليقظة والإنتباه. ولتوفير التوازن بين إعتبارات التعاون وقيم العدالة من ناحية، وإعتبارات الكفاءة والمنافسة من ناحية أخرى، فإن السلطة السياسية (الدولة) المدعومة بالتأييد الشعبى هى الحكم بينهما، فالدولة ـ بمسئولياتها السياسية ـ هى الحكم. وبذلك، فإننا نكون إزاء ثلاثة لاعبين، يتكاملون مع بعضهم البعض. هناك القطاع الأهلى أو المجتمع المدنى والذى تحكمه عادة قواعد وقيم أخلاقية راسخة، وهناك القطاع الإقتصادى وهو يعمل تحت تهديد المنافسة من الداخل والخارج، وأخيراً هناك الدولة وهى القيم على السلطة والحكم بين الجميع. وبذلك تتكاتف إعتبارات القيم والأخلاق (المجتمع المدنى) وإعتبارات الكفاءة والمنافسة (القطاع الإقتصادى)، وإعتبارات سلطة الدولة (الذراع السياسى). والدولة هى الحكم النهائى للتوفيق بين التطلعات القيمية والأخلاقية من ناحية وبين المتطلبات الإقتصادية للكفاءة والمنافسة من ناحية أخرى.

وإذا كانت الأسرة هى نواة المجتمع، وقوام هذه الأسرة هو رجل وإمرأة، فوفقاً للدراسة التى أشرت إليها فى بداية المقال عن أن الرجل أميل إلى المنافسة فى حين أن المرأة أقرب إلى التعاون. وقد نجح هذا التوافق الأسرى عند بداية التاريخ البشرى بالتوفيق بين إعتبارى التعاون والمنافسة، فإنه ليس مستغرباً أيضاً أن تنجح المجتمعات الحديثة بقدر نجاحها فى التوفيق بين إعتبارات “التعاون” كما يتطلبها المجتمع المدنى فى تطلعه إلى العدالة، وبين إعتبارات الكفاءة كما يحتاجها القطاع الإنتاجى فى تطلعه نحو الوفرة والرخاء. وعندما نتحدث عن الدولة أو السلطة السياسية، فإننا لا نتحدث عن حكم منفصل عن طرفين، فالدولة هى السلطة العليا وهى التى تضبط الإيقاع لكافة اللاعبين، وعلى هذا الإيقاع يعمل كل من المجتمع المدنى والقطاع الإقتصادى، فالدولة القوية، هى فى نهاية الأمر السلطة العليا ذات الرؤية. وبطبيعة الأحوال، فإن نجاح هذه الدولة القوية لا يمكن أن يتحقق إذا لم تستند إلى دعم شعوبها وبحيث تحقق طموحات الناس وتستند إلى دعمهم. والله أعلم.

         الاهرام 24 سبتمبر 2014

حديث المؤامرة وتبرير الفشل

حديث المؤامرة وتبرير الفشل

دكتور حازم الببلاوى

ليست المرة الأولى التى أكتب فيها عن “نظرية المؤامرة”. فمنذ أكثر من عقدين نشرت فى هذه الجريدة مقالاً بعنوان “المؤامرة” ( فى 30 سبتمبر 1991 ). ولم يكن الغرض من ذلك المقال رفض مفهوم المؤامرة بشكل مطلق، بقدر ما هو محاولة لوضعه فى إطاره الطبيعى، وبوجه خاص  عدم إستخدامه شماعة نعلق عليها ذنوبنا.

فالإنسان يسعى عادة إلى فهم الأحداث التى تقع تحت نظره. وكان إكتشاف فكرة السببية وإرتباط النتائج بالأسباب هو أحد أهم مظاهر العقل الإنسانى. فما نراه اليوم هو نتيجة لأسباب توفرت بالأمس أو أول أمس. وإزاء تطور الحياة الحديثة وتعقدها، أصبحت الأمور غير واضحة، وهى فى حاجة إلى تفسير، وكلما كان هذا التفسير سهلاً ومبسطاً، كلما كان ذلك أفضل. فالأحداث التى نراها اليوم هى نتيجة طبيعية لتفاعل وتلاقى وتضارب العديد من الأسباب والمصالح، التى تتعارض فى جوانب، وتتلاقى فى جوانب أخرى. وبدلاً من التحرى عن هذه الأسباب فى تنوعها وتكاملها وتعارضها، فإن الرجل العادى يريد تفسيراً سهلاً ومريحاً وغير معقد. وإذا كان هذا التفسير مبسطاً ومحدداً كان ذلك أفضل.كذلك فإذا جاء التفسير مبرءاً لذمة المستمع، وأنه غير مسئول عن النتائج السيئة التى يعيشها،  كان ذلك أحسن. ومن هنا جاءت نظرية “المؤامرة”. وهى لا تقتصر على تفسير الأمور السيئة للمواطن بسبب وحيد أو أساسى، ولكنها تشير إلى أنها عناصر شريرة بعيدة عنه. فهو ضحية وغير مسئول عن أوضاعه البائسة. وبدلاً من تشتيت  الفكر بين أسباب وعوامل متعددة، فمن الأفضل التركيز على شيطان وحيد أو رئيسى. فهناك ما يشبه القوة الواحدة الغالبة والمسيطرة على الأحداث، والتى يكاد يحركها عقل رئيسى، وهى قوة شريرة معادية ونحن جميعاً ضحية لها.

وإذا كان معظم أنصار نظرية المؤامرة يتفقون على وجود هذا الشرير الاعظم، فإنهم يختلفون ـ بحسب ظروفهم ـ فى تحديد شكل وطبيعة هذا الشيطان. فالبعض يرى أنها وليدة معتقدات دينية مخالفة تريد إفساد ديننا، والبعض الآخر يرى أنها تعبير عن إختلاف فى الأجناس والعرق ورغبة فى سيطرة جنس على الأجناس الأخرى، والبعض الثالث يعتقد أن الأمر لا صلة بالدين أو الجنس وإنما هى المصالح والأموال التى تريد السيطرة على أوضاع العالم. و نشير إلى بعض هذه الأقاويل المشهورة. فلن نعدم من يقول أنها مؤامرة يهودية صهيونية، تريد أن تسيطر على مقدرات العالم، ويكفى أن تلقى نظرة على “بروتوكولات حكماء صهيون” لكى نتحقق من ذلك، فهناك مؤامرة صهيونية عالمية. وعلى العكس فسوف نرى عند العض الآخر، أن المشكلة ليست فى الدين وإنما فى الدنيا والرغبة فى السيطرة على مقدرات العالم، وأن هناك مؤامرة كبرى “للرأسمالية والإمبريالية”، وهى التى تثير الحروب والإضطرابات. ويؤكد فريق ثالث، خاصة قبل سقوط الإتحاد السوفيتى، بأن من يدبر هذه المؤامرات إنما هى “الشيوعية الدولية”. كذلك كان هناك دائماً بؤر فى الغرب لا ترتاح إلى الإسلام وترى فيه خطراً، وقد تأكد هذا الشعور بعد أحداث سبتمبر،2001 حيث بدأت موجة من التعصب الدينى فى الغرب ضد خطر الإسلام السياسى بإعتباره الشيطان الأكبر. وبطبيعة الأحوال، فإن الأمرلا يقتصر على ما تقدم، فللحكومات وخاصة اجهزة المخابرات فيها نصيب لا يمكن إنكاره فى الأحداث الجارية، وسواء أشير فى ذلك إلى أفعال وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية CIA أو السوفيتية KGB أو الأسرائيلية Mossad، أو حتى شركات البترول العالمية، أو جنرال موتورز وربما لبعض العائلات مثل روتشيلد أو روكفلر.. وهكذا.

ولا خلاف فى أن لكل من هذه الجهات ـ وغيرها ـ تطلعات ومخططات للمستقبل، ولا جدال فى أن كلا منها يسعى لتحقيق أهدافه بشكل أو بآخر. وأغراض،. ولكن الأكثر أهمية هو أن هذه القوى لا تعمل جميعاً وفق مخطط واحد أو لغرض واحد، بل أن هذه الأهداف والأغراض تتعارض فى أحيان وتتلاقى فى أحيان أخرى، فضلاً عن أن كل هذه الجهات ـ ورغم ما قد تمتع به من نفوذ ـ إلا أن قدراتها ليست مطلقة، وهى إذا كانت قادرة على تحقيق نجاح فى مجال، فلا يعنى ذلك قدرتها على الإنجاز فى مجالات أخرى. فقد عاصرنا قصص لفشل دول كبرى، كأمريكا فى فيتنام أو روسيا فى أفغانستان.

هذه القوى الشريرة ـ وغيرها ـ موجودة بالفعل، وكل منها يسعى لتحقيق ما يراه هدفاً له، غير أن من الصعب القول بأن هذه القوى متفقة أو حتى قادرة على تحقيق كل أهدافها. فالبعض ينجح حيناً ويفشل حيناً آخر، والبعض الآخر ينجح فيما يفشل غيره، وهكذا. وتظل الحقيقة هى أن هذه القوى وغيرها لا تعمل جميعاً وفق مخطط واحد، وأن مصالحها كثيراً ما تتعارض، وإذا أمكن أن تلتقى فى بعض المواقف، فإنها تتناقض فى مواقف أخرى. كذلك ليس صحيحاً أن الشعوب دائماً ساذجة، يمكن تسييرها وفق هذا المخطط أو ذاك.

 النتيجة النهائية لما نراه من أحداث الواقع هى محصلة لتنازع هذه القوى من ناحية، ولأحداث أخرى غير متوقعة أو مفاجئة للجميع من ناحية أخرى. وهكذا، فإذا كانت الأحداث التى نراها فى حياتنا اليومية هى نتيجة لتفاعل العديد من العوامل المتنافسة والمتعارضة والطارئة، فإنه لا يمكن الإطمئنان أيضاً إلى ما يخبؤه التاريخ للمستقبل، فليست هناك “حتمية تاريخية”. ورغم ذلك فإن ما نراه من نتائج هو حصيلة أسباب أدت إليها، ولكن هذه الأسباب فى تعددها وتنوعها وتداخلها وتوافقها وتعارضها، لا تسمح بإختصار التاريخ فى مؤامرة أو عدة مؤامرات.

وخطورة نظرية المؤامرة ليس فقط فى أنها تبسط الأمور وتختصرها كما لو كنا بصدد مؤامرة واحدة، فى حين أن الحقيقة أننا بصدد العديد من المؤامرات المتوافقة والمتعارضة والمساندة والمعرقلة. ولكن يظل الخطر الأكبر لهذه النظرية هو أنها تكاد تعطينا شهادة براءة حين لا نستحق ذلك. فطالما أن هناك مؤامرة، فإن فشلنا لا ينسب لنا، ولا مسئولية علينا، لأن المشكلة هى “المؤامرة”. فالنتائج التى تتحقق على أرض الواقع فى ظل نظرية المؤامرة، ليست راجعة لأفعالنا، ولنجاحنا أو فشلنا، وإنما لتدخل هذه المؤامرات الشيطانية. فأن نعمل أو لا نعمل، لا فرق، لأن النتيجة التى تتحقق على أرض الواقع مخطط لها سابقاً. أما نحن وأعمالنا أو سوء أعمالنا، فشئ هامشى إلى جانب هذه المؤامرة أو تلك. وبذلك تمثل “نظرية المؤامرة” على هذا النحو صك براءة لفشلنا. فنحن غير مسئولين عما ينالنا من فشل لأننا ضحية مؤامرة كبرى. ويكفى أن نلعن المؤامرة وننام مستريحى البال. كلا وألف كلا، نحن مسئولون عن فشلنا. وإذا كنا صادقين مع أنفسنا، فإن السؤال الحقيقى، ليس هو هل هناك مؤامرة تحاك ضدنا أم لا؟ ليس هذا هو السؤال. فالمؤامرات فى كل مكان، ولن تتوقف… والسؤال الحقيقى هو لماذا تنجح المؤامرات عندنا ولا تنجح عند غيرنا؟. هل إعلان أو إكتشاف وجود مؤامرة يكفى لإبراء ذمتنا، وغسل أيدينا من المسئولية؟ لقد تساءل المفكر الجزائرى، مالك بن نبى، فى صدد ظاهرة الإستعمار، عما إذا كانت بعض الدول “قابلة للإستعمار”، وربما يمكن التساؤل، أيضاً، وهل لنفس الأسباب، هل هناك دول  “جاذبة للمؤامرات”؟ لماذا يكثر حديث المؤامرات عندنا، ولا نسمع عنه فى دول أخرى حققت إنجازاً ملموساً؟

ومع ذلك فتظل نظرية المؤامرة سائدة خاصة فى بلادنا خاصة بين المثقفين. والسؤال الحقيقى، إذا كانت هذه المؤامرات صحيحة وتتحقق عندنا، فلماذا لا تنجح فى الكثير من البلاد الأخرى. هل الدول الأخرى لها مناعة، ونحن ناقصى المناعة؟

لقد حققت اليابان نجاحاً منقطع النظير. لقد بدأت اليابان رحلتها للتقدم مع حكومة الميجى Meiji فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وقيل أنها حاولت الإفادة من تجربة محمد على فى بداية ذلك القرن، وإستمرت على الدرب حتى أصبحت قوة إقتصادية هامة فى النصف الأول من القرن العشرين، وإنضمت إلى ألمانيا فى حربها ضد الحلفاء فى الغرب. وعندما هاجمت طائراتها بريل هاربر، واجهتها الولايات المتحدة بضراوة ليس لها مثيل، ولم تتوان عن إلقاء القنابل الذرية عليها فى نهاية الحرب، رغم أنها كانت قد فقدت معظم قواتها العسكرية، وإحتلتها الولايات المتحدة بعد ذلك، وفرضت عليها حكماً عسكرياً ودستوراً جديداً. ومع ذلك إستطاعت اليابان أن تستعيد حيويتها رغم أنها تحت الإحتلال الأمريكى، وأصبحت قوة إقتصادية بعد عقدين أو ثلاثة من نهاية الحرب. فهل اليابان، والتى ألقيت عليها حكومة الولايات المتحدة القنابل الذرية، حليف لأمريكا والغرب أم هى عدو الأمس. هل إنقلبت عداوة الأمس فجأة إلى صداقة؟ لا يمكن أن يرجع ذلك إلى تقارب العرق الأصفر اليابانى مع الجنس الأبيض الإنجلوسكوفى، ولا هو تقارب فى الأديان أو اللغة أو التاريخ الحضارى. كيف نجحت اليابان، رغم المؤامرة العالمية؟ أنه العمل الدؤوب، وليس الشكوى من المؤامرات الخارجية.

وماذا عن ألمانيا حليف اليابان فى الحرب؟ لقد إحتلتها دول الحلفاء وقسمت أراضيها إلى ألمانيا غربية وأخرى شرقية. وبعد حروب طويلة ومريرة فى أوروبا، كانت ألمانيا فيها مصدر شغب للدول الأوروبية، تركت آثاراً نفسية وسياسية عميقة لدى العديد من الشعوب الأوروبية خاصة فرنسا وإلى حد ما إنجلترا. ومع ذلك إستطاعت ألمانيا أن تعود من جديد لتصبح بلداً موحداً، وأهم الدول الأوروبية.

 وماذا عن الهند، والتى كانت درة التاج البريطانى لأكثر من ثلاثمائة سنة، وعندما إستقلت إنفصلت عنها باكستان، فى جوار غير ودى إن لم يكن عدائى. ومع ذلك إستطاعت الهند عبر طريق طويل، لم تتخل فيه عن الديمقراطية، أن تحقق إنجازاً إقتصادياً هاماً، رغم تعدد وتناحر الطوائف بها. وهى الآن من الإقتصادات الواعدة.

وماذا عن الصين، والتى وإن لم تخضع للإستعمار مباشرة، فقد حاربها الأوروبيون بضراوة للإحتفاظ بمصالحهم الإقتصادية، بما فى ذلك الحرب عندما حاولت الصين أن تمنع تجارة الأفيون. ودخلت الصين خلال القرن العشرين حرباً أهلية طويلة، وخضعت للحزب الشيوعى ثم قامت بينها وبين الإتحاد السوفيتى مرارة وصراع مرير، ولم تكن علاقاتها مع الولايات المتحدة أفضل. ومع ذلك بالصبر والمثابرة إستطاعت الصين أن تفرض نفسها من جديد على الساحة السياسية والإقتصادية، وهى حالياً ثانى أو ثالث أكبر إقتصاد فى العالم. فهل كانت الصين محصنة من المؤامرات، وعلى غربها الإتحاد السوفيتى الذى أصبح مناهضاً، وعلى شرقها اليابان حليفة الولايات المتحدة الأمريكية. وهل الصين جزء من الحضارة الأوروبية والرجل الأبيض، ولماذا لم تواجهها المؤامرات التى نعرفها ونتحدث عنها؟

ولا بأس من الإشارة كذلك إلى جنوب أفريقيا معقل التمييز العنصرى، والذى خضع لأبشع أنواع الإستعمار مع التفرقة الغير الإنسانية بين ما هو أوروبى وما هو أفريقى وما هو هندى. كيف بدأت جنوب أفريقيا على طريق التقدم ولا تتحدث ليل نهار عن المؤامرة، وهى إحدى الدول الواعدة.

وبالإضافه  إلى ذلك هناك كوريا الجنوبية وماليزيا وستغافورا.. والقائمة طويلة.

ونعود إلى مصر، فنجد أن ما تتحقق فيها من إنجاز يبدو هزيلاً بالقارنة بما حققته الدول الأخرى خاصة خلال ثلث القرن الماضى. لقد واجهت هذه الدول ـ هى الأخرى ـ محن وحروب وأزمات وإحتلال، وغالباً خضعت ــ كما خضع غيرها ـ لمؤامرات داخلية وخارجية. المؤامرات موجودة فى كل مكان، وهى كالميكروب أو الفيروس متواجد دائماَ، ولكن الجسم الهزيل هو ـ وحده ـ الذى يصاب بالأمراض. المشكلة ليست فى وجود مؤامرات، وإنما فى ضعف المناعة. لا يكفى أن نلعن المؤامرات صباحاً ومساءاً، إذا ظل الجسم ضعيفاً.

إن كثرة الحديث عن “المؤامرة”، هو صرف النظر عن مشكلتنا الحقيقية. المشكلة فينا نحن، هى نقص مناعة الجسم: هى الكذب، هى النفاق، هى عدم تحمل المسئولية، هى عدم الأمانة… والقائمة طويلة. . القضية: هى الإنسان المصرى، هى منظومة المؤسسات، هى القيم السائدة …إلخ. أرجو ألا يكون “حديث المؤامرة” ـ خاصة الخارجية منها ـ هو هروب من مواجهة مشاكلنا الحقيقية.

 لا داعى للبحث عن أعذار خارجية. نحن مسئولون عن أوضاعنا. إننا، بقصورنا، نحن من يجعل المؤامرة ناجحة، فنحن جميعاً مسئولون. المؤامرات سوف تستمر، ولكن مصير بلادنا هو مسئولية فى أعناقنا، تتوقف على ما نفعله وليس على ما يخططه الآخرون. العمل والجهد هو ما نحتاجه لإصلاح عيوبنا ومواجهة الواقع بصراحة، وليس البكاء على الأطلال أو الشكوى من “المؤامرات”. والله أعلم.

أالاهرام 3 سبتمبر 2014 v

عن الحجم الأمثل

عن الحجم الأمثل

دكتور حازم الببلاوى

أكتب هذا المقال للتنبيه عن خطر المشكلة السكانية، ذلك أن هناك فيما يتعلق بالسكان ـ كما هو الحال بالنسبة للعديد من الامور الأخرى ـ ما يمكن أن نطلق عليه “الحجم الأمثل”، وأن كل زيادة على ذلك تعرض المجتمعات لمشاكل كبيرة. وقد رأيت أن أمهد لذلك بالحديث عن مفهوم “الحجم الأمثل”  Optimum، وهو مفهوم يجاوز قضية السكان لينطبق على معظم مظاهر الحياة. فيذهب المثل الشعبى للقول بأن “خير الأمور الوسط”. فالمبالغة بالتقتير أو بالإسراف تكون عادة ضارة. ولننظر إلى بعض الأمثلة قبل أن أنهى حديثى اليوم بالإشارة إلى مشكلتنا الحالية عن الإنفجار السكانى وخطورته على مستقبل مصر.

يقول الله تعالى “لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم”، صدق الله العظيم. وإذا كان الإنسان يتميز ـ على بقية الخلق ـ بما يتمتع به من عقل، ولذلك لم يكن غريباً أن تكون نسبة حجم “المخ” ـ وهو الجهاز العضوى المسئول عن العمليات الذهنية ـ إلى حجم الإنسان، هى أعلى نسبة بين الكائنات الحية. فمخ الإنسان والذى لا يتجاوز حجمه 2% من حجم الإنسان، يستهلك أكثر من 20% من الطاقة التى يستخدمها الإنسان. ومعنى ذلك أن كل خلية من خلايا المخ تتمتع بعشرة أمثال ـ فى المتوسط ـ مما يتاح لباقى خلايا الجسم. ومن هنا يتمتع الإنسان وحده ـ دون بقية المخلوقات ـ بقدرات ذهنية لا مثيل لها. فمخ الفيل ـ مثلاً ـ أكبر من مخ الإنسان، ولكن بالنظر إلى حجم الفيل، فإن نسبة حجم مخه تقل بكثير عن نسبتها لدى بنى آدم. ولذلك لم يكن من المتصور أن يكون الفيل أكثر ذكاء من الإنسان. والإنسان، مع ذلك يتمتع بمزايا ليس فقط لكبر مخه النسبى، وإنما لأنه يتمتع أيضاً بأعضاء تسمح له بالحركة السريعة نسبياً، فضلاً عن قدرتها على تطويع البيئة المحيطة به، فيداه أكثر كفاءة فى الإستخدام مما جعله الكائن ـ الوحيد تقريباً ـ القادر على تصنيع الأدوات والآلات التى تمكنه من السيطرة على هذه البيئة. فالإنسان ليس فقط هو “الكائن المفكر” ولكنه أيضاً هو “الكائن الصانع”. ومن هنا قامت الحضارة البشرية التى تعتمد على ذكاء الإنسان من ناحية وإمكانياته فى إستخدام بقية أعضائه للتصنيع والحركة. فهناك توازن دقيق بين حجم المخ وبالتالى قدراته الذهنية، وبقدراته العضوية فى السير والحركة. ومن الصعب أن نتصور أن يكون حجم مخ الإنسان أكثر من ذلك، حيث أن ما قد يحققه من قدرات ذهنية أكبر، قد تفوت عليه إمكانيات إستخدامها إذا فقد قدراته العضوية الأخرى. فلكل شئ “حجم أمثل”.

ومفهوم “الحجم الامثل”، على هذا النحو، هو مفهوم عام لا يقتصر على التكوين البشرى، بل أنه يكاد يشمل كافة مظاهر الحياة. وقد إكتشف الإقتصاديون ـ منذ وقت مبكر ـ أن هناك، بالنسبة لكل صناعة، ما يمكن أن نطلق عليه “الحجم الأمثل” لهذه الصناعة أو تلك. فإذا أقيم مصنع بأقل من الحجم الأمثل لهذه الصناعة، فأغلب الظن أن هذا المصنع لن يستطيع أن يفيد من مزايا الإنتاج الكبير، سواء بإستخدام تكنولوجيات أفضل، أو بإستقطاب أفضل العناصر، أو بتوافر مراكز بحثية للبحث والتطوير، أو بالإنفاق على أجهزة الدعاية والتسويق. ولكن المبالغة فى حجم هذا المصنع وبما يجاوز “الحجم الأمثل”، فإنه قد يؤدى إلى ظهور مشاكل جديدةأكثر تعقيداً مثل الترهل وزيادة البيروقراطية وبطء إتخاذ القرار، وهكذا. وبالمثل إذا كان التخصص مطلوباً للإفادة من مزايا التعمق فى المعرفة ومتابعة آخر التطورات، فإن مزيداً من التخصص ـ خاصة بالنسبة للدول ـ يعنى إمكانيات تعرضها لأزمات خطيرة إذا أصاب القطاع الذى تتخصص فيه مشكلة توريد أحد مستلزمات الإنتاج، أو نقص الطلب العالمى.

فتوزيع المخاطر هو أحد وسائل مواجهتها. ومن هنا التنويع فى مصادر الدخل هو أحد الضمانات للإستقرار الإقتصادى.  وحتى الجيوش لها “حجم أمثل”، وزيادة هذا الحجم بما يجاوز الحجم الأمثل يمكن أن يكون سبباً فى الهزيمة العسكرية . فنابيلون  ـ ورغم عبقريته العسكرية ـ فشل فى حربه مع روسيا لأن جيشه كان أكبر مما ينبغى، مما أدى إلى طول طريق إمدادات بالجيش بما يحتاجة من طعام وسلاح ، وبالتالى فقد قدرته على الإستمرار وعرف هزيمة نكراء أمام جيش روسيا الأقل عددا وعدة. وفيما يتعلق بالأستثمارات المالية، فإن القاعدة الذهبية، هى ضرورة تنويع الإستثمارات توقياً للمخاطر. فالإستثمار المبالغ فيه فى أحد القطاعات ـ ورغم إحتمال فرص نجاحها قد تكون كبيرة ـ  يعرض الإستثمار فيها إلى مخاطر قد تترتب عليها خسارة ضخمة، إذا عرف هذا القطاع صعوبات غير متوقعة. فوضع البيض كله فى سلة واحدة هو مخاطرة كبرى.

وهكذا، نرى أن مفهوم “الحجم الأمثل” هو مفهوم إستراتيجى، وأنه لابد من مراعاة عدم تجاوز هذا الحد، إذا أردنا أن نخفف من حجم المخاطر. وليس معنى ذلك أن هناك أرقاماً محددة وثابتة، وإنما يتوقف الأمر على العديد من الإعتبارات الأخرى. وإذا كان الإقتصادى الإنجليزى، مالتس، هو أول من أشار إلى مفهوم “الحجم الأمثل” للسكان، فليس معنى ذلك أن هناك رقماً سحرياً لهذا الحجم، فهذا الحجم يتوقف إلى حد بعيد على مدى توافر الموارد الإقتصادية الأخرى. وعندما تحدث مالتس عن السكان فى بداية القرن التاسع عشر، فقد كانت الثورة الصناعية فى بداياتها الأولى، وبالتالى ركز مالتس على المقارنة بين عدد السكان وإمكانيات الزراعة.

 وغنى عن البيان أن أهم تطور عرفه السكان إنما يرجع إلى مدى توافر القدرات الإنتاجية. فما هو مناسب من أعداد بشرية فى مرحلة ما قبل الزراعة، يختلف كلية عن الأوضاع بعد إكتشاف الزراعة. وبالمثل فإن إمكانيات التصنيع وما أحدثته الثورة التكنولوجية قد زادت بشكل كبير من إمكانيات الزيادة السكانية. فقبل إكتشاف الزراعة منذ حوالى عشرة آلاف سنة، كان الإنسان يعيش على اللقط والقنص، ومن ثم كان يحتاج هو وأسرته إلى عدة كيلومترات لكى يحصل على قوته وعائلته. ومن هنا عرفت البشرية كثافة سكانية هشة. ومع إكتشاف الزراعة، زادت قدرات الإنسان الإنتاجية، وأصبح قادراً على العيش مع عائلته فى رقعة صغيرة . ومن هنا بدأ ظهور القرى ثم الدول والتى عرفت كثافة سكانية كبيرة نسبياً. ويقال أن مصر الفرعونية، قد عرفت فى أوج نهضتها عدداً من السكان يجاوز خمسة أو ستة ملايين نسمة. ومع الثورة الصناعية زادت إمكانية الفرد الإنتاجية، وبالتالى زاد تركزهم وظهرت المدن الصناعية، وإزداد عدد البشر. ويقدر عدد البشر حالياً بأكثر من سبعة مليارات نسمة، وكانت البشرية قد وصلت إلى المليارالأولى فى بداية القرن التاسع عشر.

وكان مالتس قد أشار إلى التناقض بين معدلات نمو الإنتاج ( وهى فى نظره الإنتاج الزراعى ) وبين معدلات النمو السكانى. فقد لاحظ أنه على حين أن الزراعة تتزايد بما يشبه المتوالية العددية (1-2-3-4—-) فإن الزيادة السكانية تنمو بما يشبه المتوالية الهندسية (2-4-8-16-). وفى السبعينات من القرن الماضى صدر تقرير هام لما يعرف بنادى روما بعنوان “حدود النمو” The Limits to Growth، وإستخدام نفس المفهوم بالقول بأن السكان يتزايدون بمعدل نمو أسي Exponential ، وعبر عن ذلك بمثال صارخ لبيان خطوة النمو الأسى. فإذا كان لدينا مساحة واسعة من الأرض وبها حشرة لا يتجاوز حجمها ـ المليميتر، وحيث تتضاعف أعدادها يومياً، فربما تحتاج إلى عشرات السنوات لكى تحتل نصف هذه المساحة، ولكنها سوف تتضاعف وتحتل كل المساحة فى اليوم التالى ؛ فالنمو الأسى بالغ الخطورة، حيث قد يبدأ متواضعاً لكى ينفجر فى نهاية المطاف وبسرعة. وإذا كان الإنسان المعاصر homo sapiens قد إحتاج إلى أكثر من مائتى ألف سنة، ليصل عدد السكان إلى مليار نسمة، ففى خلال القرنين الماضيين إرتفع عدد السكان أكثر من ستة أضعاف، ليضيف إليها ملياراً جديداً خلال الربع الأخير من القرن العشرين.

وليس معنى ما تقدم أن التزايد السكانى، وهو مازال ظاهرة عالمية الآن، أنه موزع توزيعاً متساوياً بين الدول. فالدول الصناعية فى أوروبا وأمريكا لا تتزايد، وهى فى كثير من الدول الأوروبية تتناقص. ورغم أن شمال أمريكا ما يزال يتزايد سكانياً، فإن نسبة كبيرة منه ترجع إلى المهاجرين الأجانب. وفى جميع الأحوال، فإن نسبة النمو السكانى تتضائل فيها إلى جانب زيادة النمو الإنتاجى، فمعدل زيادة الدخل الفردى تزيد فيها بشكل مستمر.

 ونعود إلى مصر. فبعد أن عرفت فترة من الإضطراب والفوضى فى ظل الحكم العثمانى والمماليك، بلغ عدد السكان فى عهد محمد على ما يتراوح بين 2.5-3.5 مليون نسمة، وصل بعد أكثر من قرن وعند بداية ثورة  1952 إلى حوالى 20-22 مليون نسمة، وقد بلغ سكان القاهرة آنذاك إلى ما يقرب من عدد سكان مصر فى عصر محمد على. وبعد الثورة بثلاثين عاماً، جاء مبارك وقد بلغ عدد السكان أكثر من 42 مليون نسمة، وعدد سكان القاهرة يكاد يوازى عدد سكان مصر عند بداية تلك الثورة. وبعدها بثلاثينن سنة أخرى، وعند قيام ثورة يناير 2011 جاوز عدد السكان 84 مليون نسمة، أى أن عدد سكان مصر يتضاعف كل ثلاثين سنة. فهل هذا وضع قابل للإستمرار؟

هناك بالضرورة نوع من التوازن بين السكان والموارد، وكلما زادت الموارد أمكن زيادة السكان، فضلاً عن أن زيادة الموارد تتوقف بدورها على زيادة عدد السكان وكفاءتهم. فالتقدم التكنولوجى يساعد على زيادة الموارد وبالتالى القدرة على زيادة السكان. وقد أشرنا، إلى أن البشرية فى تقدمها، والإنتقال من مرحلة القنص واللقط إلى إكتشاف الزراعة، ثم بعد ذلك مع الثورة الصناعية، قد زادت من الموارد المتاحة. ولذلك فإننا عندما نتحدث عن الموارد لا نشير إلى أوضاع مؤبدة، فتقدم الإنسان وإمكانياته التكنولوجية تتيح له القدرة على إكتشاف موارد جديدة، وبالتالى إمكانية زيادة السكان. فالجزيرة العربية كانت، وحتى بدايات القرن الماضى، أرضاً بلا موارد، حتى إكتشف البترول، ومن هنا جاءت الآية الكريمة فى وقت إبراهيم عليه السلام : “ربنا أنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم”.

 وإذا نظرنا إلى أوضاع مصر الحاضر نجد أن مواردها الطبيعية محدودة، فهى تعانى من نقص شديد فى موارد الطاقة، كمية محدودة (حتى الآن ) من البترول والغاز، إنعدام فى المساقط المائية والفحم، قليل من الحديد وإحتمالات أكبر للفوسفات، والمعادن الآخرى، وإنعدام للغابات. وهكذا فقدراتها على الزيادة السكانية محدودة. ولا يمنع ذلك من أن المستقبل يمكن أن يدخر لمصر مصادر أخرى هامة وخاصة عندما نصل إلى إستخدامات واسعة ورخيصة للطاقة الشمسية. ولذلك، فإنه، فى ظروف الأوضاع القائمة، هناك عدم توازن بين الموارد الطبيعية المتاحة وبين النمو السكانى المرتفع. وقد أدركت دول أخرى نامية هذه المشكلة، فكان أن واجهتا بصراحة وفاعلية. فهناك مثال الهند والصين، وكلاهما كان يعيش فى كثافة سكانية كبيرة، حيث جاوز عدد السكان فى كل منهما الألف مليون نسمة، وذلك رغم ما تتمتع به هاتان الدولتان من موارد طبيعية كثيرة فى شكل أنهار وأمطار وغابات ومناجم للمعادن. ومع ذلك، فقد بدأت كل منهما بسياسة سكانية واعية، وأحياناً قاسية، حيث فرضت الصين قيوداً شديدة بلغت فى بعض الأحيان عدم الإنسانية. ومع ذلك فبعد عقدين أو ثلاثة أمكن ضبط النمو السكانى فيهما، وخضعت الدولتان فى العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة معدلات كبيرة من التقدم الإقتصادى والتكنولوجى.

ولكل ذلك، فإننا فى مصر فى حاجة إلى إعادة النظر فى سياستنا السكانية. وكانت مصر قد بدأت تتحدث ـ دون سياسة فعالة  ـ عن ضرورة وضع سياسة سكانية شديدة. فنحن لا نستطيع أن نضاعف أعدادنا كل ثلاثين سنة. فقد جاوز عدد السكان الآن التسعين مليوناً، وبعد عقدين أو ثلاثة يمكن أن يجاوز عدد السكان المائة وثمانون مليوناً.

لقد تحدثت أكثر من مرة عن أن مصر تواجه مشاكل عاجلة، لا تقبل الإنتظار أو التأجيل، وفى مقدمتها عودة الأمن والشعور بالآمان، وإستعادة الإستقرار السياسى، وإعادة النظر فى مناخ الإستثمار بما يلزم من تشريعات مناسبة وبنية أساسية لازمة. ولكن، هذه المشاكل العاجلة لا ينبغى أن تنسينا أن هناك أموراً هامة تتطلب سياسات طويلة الأجل لحماية وضمان مستقبلنا، وفى مقدمة هذه الأمور الهامة وضع سياسة سكانية مناسبة، ووضع إستراتيجية للتصنيع وتوطين التكنولوجيا بما يتطلب إعادة النظر فى نظمنا التعليمية وأساليب التدريب. وهذه الأمور الهامة تتطلب سنوات وسنوات حتى تؤتى أكلها. فهى ـ بطبيعتها ـ مشاكل الأجل الطويل. ولكن الأجل الطويل لا يتحقق من تلقاء نفسه، بل لا بد من البدء من الآن لعلاج المشكلة السكانية، مع الإدراك بأن نتائجها لن تتحقق بين يوم وليلة. ولكن لا بد من البدء والعمل بكل جدية، فالمشكلة السكانية هى أشبه بقنبلة موقوتة، وعلينا أن نعمل على تفكيكها الآن، مع العلم بأنها لن تحقق نتائجها فى المستقبل القريب. والمهم هو البداية. فالمشكلة السكانية خطر كامن، والعاقل من إستعد لهذا المستقبل. والله أعلم.

    الاهرام 21  اغسطس 2014

 v

عن الصدفة وقوانين الإحتملات

عن الصدفة وقوانين الإحتملات

دكتور حازم الببلاوى

 

ما أكثر ما نصادفه فى حياتنا اليومية من مصادفات غير متوقعة، وقد يترتب عليها تغيير مصيرنا ومستقبلنا. فلقاء عابر ـ وغير متوقع ـ مع زميل دراسة قديم لم نره منذ سنوات قد يفتح أمامك فرصة للعمل فى مجال لم يخطر على بالك من قبل. وكثيراً ما تمت زيجات وعلاقات عاطفية نتيجة لقاءات غير مدبرة. وهكذا تتعدد الروايات، التى تؤكد ” لعل صدفة خير من الف ميعاد “. ولكن هل صحيح أن الحياة  تحكمها الصدف، أم أنها تخضع فى الواقع لعلاقات السببية، وأن المقدمات تؤدى إلى النتائج؟

هذا هو الفارق بين الإنسان المعاصر والإنسان البدائى. فالإنسان البدائى كان يعتقد أن الأمور الأساسية فى حياته تحكمها المقادير ورغبات الآلهة ـ فى تعددها وتنافسها ـ وأنها هى التى تحدد مصيره ومستقبله. أما الإنسان المعاصر فهو يعتقد ـ بشكل عام ـ أن الخالق قد أنشأ الكون وفق قوانين وقواعد، ولذلك فإنه يرى أن وراء كل حدث سبب. فما ينظم الحياة هو قوانين السببية، فما تراه اليوم هو نتيجة لما تحقق بالأمس أو أول أمس. فالإنسان المعاصر لا ينكر أنه يخضع للطبيعة، ولكنه يعتقد أن الطبيعة تحكمها قوانين، وأنه بمعرفته  لهذه القوانين يستطيع أن يسيطر عليها ويروضها لإشباع حاجاته. فلكل ظاهرة أسباب أدت إليها، وعلى الإنسان أن يبحث عن هذه الأسباب وأن يكتشفها. ومن هنا سعيه لمعرفة قوانين الطبيعة. ولكن الحديث عن السببية وقوانين الطبيعة لا يعنى أن تكون هذه العلاقات يقينية، بل كثيراً ما تخضع الظاهرة لقوانين طبيعية ولكنها تحقق آثارها بدرجة معروفة من الإحتمالات. فالسببية تتحقق مع اليقينية كما تتحقق مع الإحتمالات، طالما أننا نعرف نسبة هذه الإحتمالات بدرجة معقولة من اليقين. فالخصائص الجينية تنتقل من الآباء والأمهات إلى أولادهم، ولكن بنسب إحتمالية، وهذه النسب تكون عادة مستقرة. فالإحتمالات لا تتعارض مع مفهوم السببية، بقدر ما هى أحد مظاهرها. فما نراه من نتائج هو محصلة لأسباب مهدت لها، وسواء كانت هذه العلاقة السببية يقينية أم إحتمالية، طالما أننا نعرف هذه الإحتمالات بدرجة معقولة من الإستقرار. ونظراً لأن الإنسان المعاصر يعتقد فى قوانين السببية، وأن ما يظهر على أرض الواقع هو نتائج لمقدمات مهدت لها، فإنه إستطاع ـ نظراً لهذه الرؤية الجديدة ـ أن يسيطر على الطبيعة ويغير من البيئة المحيطة به. وبذلك عرف الإنسان ـ لأول مرة ـ مفهوم التقدم. فبقدر ما زادت معرفة الإنسان بالقوانين الطبيعية والإجتماعية، بقدر ما زادت سيطرته على الواقع وزادت قدراته على تطويعه.

وما أود الحديث عنه فى هذا المقال هو التأكيد على أن معرفة القوانين الطبيعية الإحتمالية لا تقل أهمية عن القوانين اليقينية، فالحديث عن مفهوم القانون الطبيعى، وإرتباط النتائج بالأسباب، لا يعنى أن تكون هذه العلاقة دائماً يقينية، فكثيراً ما تكون قوانين الطبيعة إحتمالية.

وعندما نتحدث عن القوانين الإحتمالية فى الطبيعة، فقد يرجع ذلك إلى أنه فى بعض الحالات تتوقف النتيجة النهائية على آلاف من المتغيرات، وبالتالى لا يمكن معرفة النتيجة النهائية إلا إذا عرفنا جميع الشروط المبدئية، ودون ذلك فإن معرفتنا بالنتائج سوف تكون إحتمالية، نظراً لعدم القدرة على الإحاطة بكافة هذه الشروط المبدئية. ولكن هناك حالات أخرى فى القوانين الطبيعية الإحتمالية لا ترجع إلى الجهل بالشروط المبدئية، وإنما لأن الطبيعة نفسها تقوم على الإحتمالات. وإذا أردنا أن نعرف مثالاً للنوع الأول، فهناك كل ما يتعلق بالتنبؤ بالأحوال المناخية، والتى تتوقف على الآلاف من المتغيرات، والتى يصعب الإحاطة بها، ومن هنا لا نملك إلا أن نعرف معرفة إحتمالية بدرجة نسبة معينة. وقد لاحظ، أحد العلماء ـ إدوارد لورينز Lorenz ـ أن رياح العواصف والأعاصير تتوقف على آلاف المتغيرات، والتى يصعب الإحاطة بها كلية، ولذلك فقد يكفى أن تغير فراشة من حركة أجنحتها بين جهة وأخرى وبما يؤدى إلى تغير مسار العاصفة أو الإعصار بين الشرق والغرب. وهذا ما أصبح يطلق عليه أثر الفراشة Butterfly Effect، وهو لا يتعلق فقط بالتأكيد بأن تغيير طفيف ـ تغير إتجاه الفراشة ـ قد يؤدى إلى تغيير فى إتجاه المسار، ولكنه يعنى أيضاً أن هذا التغيير الصغير قد تكون له آثار عميقة وأحياناً مدمرة، ومن هنا فقد أطلق على نفس الظاهرة، “قانون الفوضى” “Chaos“. وسوف نشير إلى هذه الظاهرة عندما نتعرض لما يعرف بالنظم ” غير المستقرة “، بمعنى أن إختلال صغير قد يؤدى إلى تغيرات عميقة، كما يذهب المثال الشعبى على أن ” معظم النار من مستصغر الشرر “. ولعل أظهر هذه الأمثلة هو ما يحدث فى “الأزمات المالية” على ما سنشير إليه عند تعرضنا للقوانين الإجتماعية. وأيا ما كان الأمر، فإن معرفتنا الإحتمالية وغير اليقينية فى مثل هذه الأحوال، كثيراً ما ترجع إلى عدم معرفتنا الكاملة بالشروط المبدئية. وبذلك فإن النتائج الاحتمالية ليست سوى تعبير عن الجهل بكافة التفاصيل. ويذكر فى هذا الصدد أن نابليون، سأل لابلاس Laplace، وكان أحد أعظم علماء عصره، ” لماذا لا يمكن التنبؤ بالمستقبل؟ ” فأجاب لابلاس ” إعطنى يا سيدى كافة المعلومات عن الشروط المبدئية لكافة عناصر الطبيعة، وأنا أخبرك بما سيحدث غداً !! “. فالحديث عن الإحتمالات ـ هنا ـ هو تعبير عن الجهل بكافة الشروط المبدئية على نحو تفصيلى.

 ولكن هل هذا صحيح دائماً فى العلوم الطبيعية؟ وهل كل هذه القوانين يقينية، وأن المعرفة الإحتمالية لبعض هذه النتائج راجع إلى الجهل بكافة الشروط المبدئية؟ لا يبدو أن الأمر كذلك فى القوانين الطبيعية، فهناك من هذه القوانين ما هو إحتمالى بالضرورة وليس لمجرد الجهل بكافة الشروط المبدئية. فالإحتمال يدخل هنا فى صلب بعض الحقائق الفزيائية خاصة فيما يعرف بفزياء ” الكم ” Quantum، وخاصة فيما يتعلق بالعناصر الأصغر مثل الإلكترونيات وغيرها من الجسيمات Particles، الدقيقة، والتى تمثل جوهر الفزياء، فهذه تخضع لقوانين إحتمالية وليست يقينية. ومع ذلك، فإنه يمكن بإستخدام هذه القوانين الإحتمالية، أن نحقق معرفة كاملة بالظواهر الطبيعية. وكان أن حصل الألمانى هينزبرج Heisenberg على جائزة نوبل فى الفزياء فى بدايات القرن الماضى، لتأكيده على مبدأ القوانين الإحتمالية فى ” فزياء الكم، ” فأنت قد تعرف موضع الإلكترون، ولكنك لا تستطيع أن تعرف سرعته، وإذا عرفت سرعته، فإنك تفقد قدرتك على تحديد موضعه”. ومع ذلك، ظل أينشتين ـ ورغم أنه، بشكل ما، أحد مؤسسى علم فزياء الكم ـ  فقد ظل رافضاً لفكرة الإحتمال فى القوانين الطبيعية قائلاً، “بأن الخالق لا يلعب النرد”. ويظل الإجماع بين العلماء المعاصرين على أن الإحتمال هو أحد أهم معالم ” فزياء الكم” . ورغم ذلك، فإنه من الممكن إستخلاص نتائج يقينية من هذه المعرفة الإحتمالية، وهو ما ظهر من خلال ما تم من إنجازات فى عالم التكنولوجيا الحديثة.

وإذا إنتقلنا إلى العلوم الإجتماعية، فنجد أنفسنا بصدد مجموعة من القوانين الإحتمالية التى تحدد سلوك الأفراد فى مختلف المجالات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. فالأفراد لا يتصرفون على نحو عشوائى بل تخضع سلوكهم لنوع من الضوابط، وهذه الضوابط، وإن لم تكن على شاكلة معظم القوانين الطبيعية اليقينية، فإنه رغم هذا، يتحقق حولها نوع من الإستقرار الإحصائى.

فالإنسان ـ كائن حى ـ يخضع للقوانين الطبيعة من بيولوجيا وكيمياء وفزياء وغيرها لكى يعيش، ولكنه أيضاً ـ وبالنظر إلى أنه كائن إجتماعى يعيش وسط مجتمع ـ فإنه يخضع لقواعد وضوابط أخرى يفرضها وجوده فى المجتمع من ناحية، وقدرته على التغير والتطوير للبيئة المحيطة به من ناحية أخرى. وهكذا، يخضع الإنسان ـ ربما وحده ـ لهذه القوانين الإجتماعية المفروضة من المجتمع، والتى تحافظ على وجوده فى هذا المجتمع مع قدرته الدائمة على مزيد من السيطرة على البيئة المحيطة به. ولذلك فإن مجموعة القوانين الإجتماعية التى تحكم وجود الفرد فى الجماعة تتميز بدرجة عالية من ” الإستقرار “، وليس من الثبات المطلق. فالإنسان كائن متعلم يستفيد من خبراته وأخطائه، ولذلك فإنه دائم التطوير. وهكذا، فإن القوانين الإجتماعية تجمع بين قدر من الإستقرار من ناحية، وقدر من القابلية للتعديل والتغيير مع تغيير الظروف المحيطة من ناحية أخرى. ولذلك، فإن سلوك الأفراد ـ والجماعات ـ فى النواحى الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، ليس أمراً عشوائياً بل يخضع لقواعد وضوابط إجتماعية، أكثر مرونة حقاً، وهى، مع ذلك، قواعد فعالة ومؤثرة. ولذلك، فإن معظم القوانين الإجتماعية التى تحكم سلوك الأفراد فى المجتمع ـ فى مجالات السياسة والإقتصاد والإجتماع ـ هى من قبيل القوانين الإحصائية التى تصدق فى المتوسط العام، وإن كان هناك خروج عليها هنا أو هناك بنسب قليلة محدودة. ففى كل مجتمع هناك نسق إجتماعى مقبول للتعامل فيما بين الأفراد يقوم عادة، على إفتراض الصدق فى التعاملات وإحترام الجيرة والتعاون فى مواجهة الصعاب والكوارث، وكثير من المجاملات فى المناسبات، وهكذا. ورغم أن هذه القواعد لا تحترم دائماً، إلا أنها موجودة وقائمة، ويعتبر التماسك حولها أحد مظاهر المجتمعات الناجحة والراقية. كذلك هناك دائماً حاجة إلى التوفيق بين إعتبارين مختلفين، وإن كانا متكاملان ، وهما المنافسة والتعاون. فالإنسان أنانى بالطبع يسعى لتحقيق مصالحه ولو على حساب الآخرين، ولكنه من ناحية أخرى لا يستطيع العيش منفرداً ولا يجد أمنه ونجاحه إلا فى حضن المجتمع ومن هنا حاجته إلى التعاون والتضامن مع الآخرين. وتظهر هذه التفرقة بشكل واضح فى الإقتصاد.وقد جرى الإقتصاديون على التفرقة بين ما أطلق عليه السلع الخاصة Private goods وبين السلع العامة Public goods. أما السلع الخاصة فهى تلك التى تفيد المنتفع بها وحده عند إستهلاكها ومن ثم يقبل تحمل تكلفتها. مثل الطعام والشراب. ولكن هناك سلع أخرى تفيد المجتمع، ومتى توفرت فإن الجميع ـ بلا إستثناء ـ سيفيد منها ولا يمكن حرمان آخر منها، مثل توفير الأمن والدفاع عن البلد. ولهذا يتهرب الجميع من تحمل تكلفتها، لأنها متى توفرت سيفيد منها الجميع. والكل يفكر، لماذا أتحمل أنا التكلفة، إذا لم أكن متأكداً من أن أحداً غيرى لن يستفيد؟ لماذا لا أترك هذه التكلفة للغير؟ وهذا ما يفعله جميع الأفراد. ولذلك لا مناص هنا من تدخل الدولة بإقامة هذه المرافق وتحميل تكلفتها على المواطنين بالضرائب. فالمستثمر قد يتمتع وحده بأرباح إستثماراته ولذلك يضع أمواله فيها، ولكنه لا يستطيع أن يقيم  إستثماراته إلا إذا إطمئن إلى إستقرار الأمن وتوافر مقومات البيئة الأساسية من مياه وطرق وطاقة وإتصالات وتعليم وصحة وخبرات بشرية، وهكذا. وهذه الخدمات تكون ـ عادة ـ متاحة للجميع، فهى نوع من السلع العامة التى توفرها الدولة. ولذلك فإن الإقتصاد المعاصر عليه أن يوفق بين توفير السلع الخاصة بأكبر قدر من الكفاءة، مع ضمان وجود السلع العامة والتى بدونها لا إمكانية لنشاط القطاع الخاص وما يتمتع به من قدرة على الإبتكار والمخاطرة. ولا تقتصر السلع العامة على تحقيق عدالة التوزيع بين المواطنين فى الحاضر، بل لابد من مراعاة التوازن بين الحاضر والمستقبل وضرورة مراعاة البيئة وإحتياجات الأجيال القادمة.

وإذا كان إقتصاد السوق يتميز ـ عادة ـ بالكفاءة، فإنه يمكن أن ينحرف لتغليب مصالح الأقلية ودعم الإحتكارات. ومن هنا أهمية الضوابط والقيود والمراقبة والمحاسبة. كذلك فإن هذا النظام معرض بدرجة أكبر للأزمات. وإذا كنا قد أشرنا إلى ما يعرف ” بأثر الفراشة ” فيما يتعلق ببعض الظواهر الطبيعية  مثل الأعاصير، فإن الإقتصاد أيضاً معرض لمثل هذه الأعاصير فى شكل أزمات، خاصة الأزمات المالية. فالأسواق المالية بطبيعتها غير مستقرة. ويميز الإقتصاديون عادة بين ما يطلق عليه ” التوازن المستقر ” Stable، ” والتوازن الغير المستقر ” Unstable. أما التوازن المستقر، فهو يتميز بأن الإخلال به من شأنه تحريك الأوضاع لإعادة التوازن من جديد. ففى ظل أوضاع المنافسة الكاملة، إذا أراد تاجر رفع أسعاره دون مبرر، فإن المستهلكين سوف ينصرفون عنه لصالح منافسيه. فرفع الأسعار هنا يؤدى إلى إنخفاض الطلب عليه. وليس الأمر كذلك فى الأسواق المالية. فكثيراً ما تتميز به هذه الأسواق بأنها أسواق للمضاربة، أى أنها تعتمد على التوقعات المستقبلة. ولذلك فإن إرتفاع أسعار الأسهم لا يقلل الطلب عليها، بل قد يؤدى إلى زيادة هذا الطلب توقعاً لإستمرار التزايد فى الأسعار. فالتفاؤل والتشاؤم بالمستقبل يحكم هذه الأسواق. وهكذا، فإن الأسواق المالية، بطبيعتها، هى أكثر إضطراباً، الأمر الذى يتطلب المزيد من الضبط والرقابة. وتزداد خطورة الأزمات المالية، نظراً للتداخل الكبير بين المؤسسات المالية على إتساع العالم فى مجموعه. ولذلك فإن سقوط أحد هذه المؤسسات المالية تترتب عليه سلسلة متتابعة من الإنهيارات المالية، وبما يهدد سلامة النظام المالى العالمى. ومن هنا يطلق عليه هذه المخاطر، تعبير ” المخاطر النظامية ” Systemic Risks، والتى تتطلب إنضباطاً عالمياً للمؤسسات المالية. وقد تطورت هذه المؤسسات، فبعد أن كانت “أكبر من أن تفشل” Too big to fail، أصبحت “أكبر من أن تنقذ” Too big to bail. هكذا يتضح أن ” الأزمات المالية ” ليست مجرد صدفة، وإنما هى جزء من طبيعة الأسواق المالية. فهى معرضة ـ بين الحين والآخر ـ لمثل هذه الأزمات. فنحن هنا إزاء قانون إحتمالى يتطلب المزيد من الرقابة والإنضباط.

الذى حاولت أن أقوله فى هذا المقال الطويل، هو أننا كأبناء للعصر العلمى، علينا أن ننظر إلى السببية فيما نشاهده من أحداث. فما نواجهه ـ فى مختلف المجالات ـ هو نتائج لأسباب سابقة. وإذا كانت بعض النتائج قليلة الإحتمال، فلا يعنى ذلك أنها منعدمة الإحتمال. فالتفكير العلمى يقوم على أساس أن ما نراه من نتائج اليوم، إنما يرجع إلى أسباب وقعت بالأمس أو أول أمس. فمقابلة زميل سابق بعد سنوات ليس معجزة، بقدر ما هى إحتمال وارد. فغالباً هناك أذواق مشتركة وإهتمامات متقاربة بين أصدقاء الطفولة فضلاً عن الإنتماء إلى نفس الطبقة الإجتماعية. فالصدفة فى الإلتقاء مجدداً ليست سوى نتيجة محتملة لأسباب مسبقة. وهكذا، علينا أن نتعايش مع قوانين العصر سواء القوانين اليقينية أو الإحتمالية، وأن ندبر أمورنا على هذا الأساس. فليست هناك معجزات، وإنما هناك فقط نتائج لمسببات. ومن خلال تجربة البشرية الطويلة، فإن أسباب النجاح والتقدم ترجع إلى العمل والجهد والإبتكار وفهم متطلبات العصر، ولا يمكن الإرتكان إلى الصدفة أو الحظ. والله اعلم.   

الاهرام14 اغسطس 2014   

           

 

الدولار : سلاح أمريكا الناعم والفعال

الدولار : سلاح أمريكا الناعم والفعال

دكتور حازم الببلاوى

 

ربما تكون الولايات المتحدة هى الأقوى إقتصادياً على مستوى العالم، وليس من المستبعد أن تتمتع بقدرات عسكرية تفوق أية قوى أخرى، كذلك هناك نوع من التوافق على أن مراكزها للأبحاث وإمكانياتها التكنولوجية هى الأكثر تقدماً عالمياً. ولكن لا ينبغى أن ننسى أن هذا التفوق أنما يرجع ـ فى جزء أساسى منه ـ إلى الدور الذى لعبه الدولار كالعملة المقبولة عالمياً فى التعامل الدولى. فالدولار ليس مجرد عملة وطنية، بل هو أيضاً، وبالدرجة الأولى، عملة التعامل المالى والنقدى فى العالم. وبذلك، أصبح العالم مسئولاً بشكل أو بآخر عن حماية إستقرار هذه العملة. ويعتبر إحتلال الدولار لمكانته فى العلاقات الإقتصادية هو أكبر قصة نجاح للسياسة الأمريكية. فالخاسر الأكبر من ضعف الدولار هو العالم الخارجى، أما التاثير على الإقتصاد الأمريكى المحلى فهو عادة أقل حده.

فكيف حدث ذلك؟ لست من أنصار نظرية المؤامرة، ولكنى أعتقد أن الطبيعة بكافة مظاهرها تحابى الأقوياء، وجاء إنتصار الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية ليعطى الولايات المتحدة دوراً مميزاً فى العلاقات الدولية، ومن بينها إعادة ترتيب أوضاع الإقتصاد الدولى. وقد إستغلت الولايات المتحدة الفرصة وحرصت على أن يلعب الدولار الدور الرئيسى فى نظام النقد العالمى الجديد وصندوق النقد الدولى.

وفى تلك اللحظة الحرجة، كانت تلك الحرب قد أنهكت الجميع، المنتصرين والمنهزمين معاً، فخرجت ألمانيا محطمة بعد الحرب وتعرضت اليابان للقنابل الذرية، ولم يكن وضع الحلفاء أفضل، فقد أنهك الإتحاد السوفيتى ـ وإن توسع فى أوروبا الشرقية ـ وأثقلت الديون الخزانة البريطانية كما فقدت فرنسا العديد من أصولها وهى تحت الإحتلال الألمانى. أما الولايات المتحدة فقد أنهت الحرب وهى فى قمة النجاح الإقتصادى ـ إضافة إلى التفوق العسكرى ـ وعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب فى منتصفها، فإنها لم تضطر إلى تحويل إقتصادها المدنى إلى إقتصاد حربى، بقدر ما إستطاعت أن تبنى إقتصاداً عسكرياً موازياً دون إضعاف لإقتصادها المدنى. وبإنتهاء الحرب، لم تواجه الولايات المتحدة مشكلة إعادة بناء الإقتصاد المدنى حيث لم تتعرض أمريكا لأى إعتداء مباشر عليها، وإنما كانت المشكلة هى فى كيفية تصفية إقتصاد الحرب وتحويله إلى الإقتصاد المدنى دون تعريض الإقتصاد الوطنى للكساد. ومن هنا كان مشروع مارشال مفيداً للإقتصاد الأمريكى، بما تضمنه ذلك من العمل على تصفية الإقتصاد الحربى بشكل متدرج وبغير مفاجأة، حيث كان يمكن أن تترتب عليه آثار إنكماشية هائلة.

وجاءت إتفاقيات بريتون وودز التى أسست البنك الدولى وصندوق النقد الدولى لتوفر الظروف المناسبة لوضع أسس نظام نقدى جديد. وكانت أوروبا قد عرفت، فى الفترة السابقة على قيام الحرب العالمية، ما يشبه الحروب الإقتصادية بين الدول. فلجأت معظم الدول إلى الحماية الجمركية المبالغ فيها، وإلى الإقتصاد المغلق ـ إن أمكن ـ وتخفيض أسعار العملات للحصول على مزايا على حساب الآخرين. وبذلك جاءت النبرة الجديدة بعد الحرب للدعوة لمزيد من التعاون والإنفتاح على الدول الأخرى وأن حرية التجارة وإستقرار أسعار الصرف وحرية إنتقال الأموال، كل هذا لا يؤدى فقط إلى مزيد من الكفاءة الإقتصادية بل أنه يدعم تحقيق السلام والتعاون الدولى. وقد كان إنشاء صندوق النقد الدولى هو البذرة التى ساعدت على أن يصبح الدولار الأمريكى هو عملة التداول العالمى.

لعبت الولايات المتحدة وإنجلترا الدور الرئيسى فى تشكيل صندوق النقد الدولى وبالتالى فى تصميم نظام النقد الدولى كما عرفناه خلال السبعة عقود الماضية. وكان يمثل إنجلترا اللورد كينز ـ الإقتصادى الأشهر فى القرن العشرين ـ فى حين كان اللاعب الأمريكى الأكثر تأثيراً هو وكيل الخزانة الأمريكية وايت. وإنتهى الأمر بغلبة الرؤية الأمريكية. وكان كينز يرى أن يصبح صندوق النقد الدولى المقترح  كنوع من البنك، الذى يخلق نقوداً من خلال ما يقدمه من إئتمان لعملائه، وهو بذلك ليس فى حاجة إلى رأس مال، ويكفى أن نوضع القواعد المنظمة لمنح البنك لإئتمانه، بل أنه إقترح إسماً لهذه النقود الدولية وهو “بانكور”. أما وايت فقد رأى ـ وإنتهى الأمر ـ بإعتماد آرائه، أن يكون للمؤسسة الجديدة رأس مال يقدمه الأعضاء ويتكون من عمله الدولة العضو فضلاً عن جزء من الذهب، وبذلك يتوافر للصندوق موارد من عملات الدول فضلاً عن الذهب. ولكن الأهم ـ عند وايت ـ هو ضمان إستقرار أسعار الصرف. ولذلك إقترح الأخذ بنظام أسعار الصرف الثابت وحيث تربط فيه كل عمله بوزن من الذهب، ولا يجوز تغييرها إلا بإجراءات معقدة.

ونظراً، لأن معظم الدول كانت قد تخلت عن قاعدة الذهب، بإستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، التى كانت تربط الدولار بالذهب، وكانت على إستعداد لتحويله لغير المقيمين بسعر ثابت (35 دولار للأوقية ذهب). فقد إنتهى الأمر ـ عملياً ـ  إلى أن ربطت معظم الدول ـ الأعضاء فى الصندوق ـ عملتها بالدولار بإعتبار أن الدولار قابل للتحويل إلى ذهب. وبذلك وضعت البذرة الأولى لسيطرة الدولار على أسواق الصرف. فجمع العملات تعرف بوزن معين للذهب وبسعر محدد للدولار.

وصاحب هذا الوضع القانونى والنفسى، وضع إقتصادى قائم، وهو أن معظم دول العالم خرجت من الحرب وهى محطمة أو منقسمة سياسياً.وكان الإقتصاد السليم الوحيد هو الإقتصاد الأمريكى، والذى كان يمثل حجم إنتاجه نصف حجم الإنتاج العالمى فى مجموعه، وكانت الولايات المتحدة هى الدولة الوحيدة القادرة على تصدير السلع الزراعية والغذائية فضلاً عن المنتجات الصناعية ورؤوس الأموال. ولذلك فقد كان إعتبار الدولار هو العملة الدولية أمراً طبيعياً، فالجميع فى حاجة إلى الدولار، إن لم يكن للإستيراد من الولايات المتحدة، فهو دائماً مطلوب من كل الدول الأخرى. وكانت المشكلة الوحيدة هى نقص الدولار المتاح للعالم. وكانت الولايات المتحدة فى ذلك الوقت تحقق أيضاً فائضاً فى ميزانها الجارى، فهى تصدر بأكثر مما تستورد. فبشكل ما كانت الولايات المتحدة دائنة للعالم، فكيف يمكن توفير دولارات للعالم لكى يستطيع أن يدفع ثمن وإرداته منها؟ كان المخرج الوحيد هو أن تقوم الولايات بإستثمارات كبيرة فى دول العالم وبذلك يخرج منها دولارات كافية لبقية الدول لدفع فاتورة وارداتها منها. ومن هنا عرفت الإستثمارات الأمريكية فى الخارج توسعاً كبيراً فى الفترة التالية لإنتهاء الحرب، ولذلك لتمكين هذه الدول من الحصول على الدولارات اللازمة لها.

وبعد ما يزيد على عقدين من نهاية الحرب، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تعرف ظاهرة جديدة وهى بداية العجز فى ميزانها الجارى فضلاً عن عجز الموازنة وصادف ذلك حروبها فى جنوب شرق آسيا وفيتنام. مما أدى إلى بداية توافر الدولار بشكل أكبر لدى معظم الدول، التى رأت فى هذا دعماً لإستقرار أسعار صرف عملاتها. ورغم ظهور العجز فى تجارة أمريكا، فقد كان ذلك محل ترحيب لدى معظم الدول، لان معنى العجز هو أن الولايات المتحدة تضخ كميات أكبر من الدولارات فى العالم الخارجى. ولكن هذا الفائض الذى تحقق لدول العالم لم يستخدم للإستيراد، وإنما للإحتفاظ به كإحتياطى نقدى. وبدأت معظم الدول فى تكوين إحتياطيات من الذهب والدولار، مما يعزز من جدارتها الإئتمانية.

وعندما قامت ثورة النفط برفع أسعاره فى بداية السبعينات، صادف ذلك ظهور النمور الآسيوية والتى توسعت أيضاً فى صادراتها بشكل كبير. وهكذا ظهر على الساحة، نوع جديد من الدول التى تحقق فوائض مالية كبيرة ومستمرة، وكان عليها أن تبحث عن أماكن آمنة لتوظيف فوائضها المالية فيها. ولم تجد هذه الدول أفضل من الدولار والأسواق المالية الأمريكية لتوظيف فوائضها فيها. فالدولار هو العملة الدولية المقبولة فى جميع الدول، وهى الدولة الأغنى والأقوى، وهى تتمتع بمؤسسات مالية قوية، وهى دولة قانون وتعرف درجة عالية من الشفافية. وبعد ذلك بعقد أو عقدين ظهر المارد الصين، والذى يحقق فائضاً مالياً هائلاً فى ميزانه الجارى وعليه أن يوظفها فى أماكن آمنة، ولم يجد ـ هو أيضاً ـ ما هو أكثر أمناً من الدولار والأسواق المالية الأمريكية. وبعد أن إختفى الإتحاد السوفيتى، وبدأت روسيا فى تحقيق فوائض مالية نتيجة تصدير الغاز والبترول، فإنها بدورها لم تجد بديلاً عن الأسواق المالية الأمريكية.

ومع توافر هذه الأموال التى تبحث عن الدولار والأصول الأمريكية، بدأ عجز الميزان الجارى والذى بدأ فى بداية السبعينات يجد مبرراً، وهو كثرة الأموال الوافدة للإستثمار فى الأسواق الأمريكية. فالإقتصاد الأمريكى أصبح حينذاك قادراً على زيادة الإستيراد وتضخم العجز الجارى، وهو لا يضطر للسداد لأن أصحاب هذه الفوائض حريصون على إبقاء إستثماراتهم بالدولار. وكان الافتصادى البلجيكى تريفن Triffin قد اشار منذ الستينات من القرن الماضى الى ان دولة عملة النقود العالمية لابد وان تتحمل بعجز فى ميزانها الجارى حتى توفر للدول الاخرى ما يكفى من دولارات لكى تحتفظ به فى الاحتياطى ودعم عملاتها الوطنية.ومن هنا لم تجد السياسة الإقتصادية الأمريكية مبرراً لضغط تزايد الواردات وتفاقم عجز الميزان الجارى، فالدولارات التى تحققها دول القوائض المالية تعود اليها وهى سعيدة ببقائها فى شكل أصول مالية أمريكية. وهكذا بدأ يتراكم حجم الأموال بالدولارات والمملوكة للعالم الخارجى. والآن، فإنه مع إستمرار العجز الجارى لأمريكا لما يقرب من خمسة عقود، فهناك محل للتساؤل، هل يواجه الإقتصاد الأمريكى مشكلة حقيقية، مع تزايد مديونية وتراكمها تجاه العالم الخارجى؟

هناك عبارة شهيرة منسوبة للإقتصادى الإنجليزى كينز، ومفادها ـ على ما أذكر ـ” أنت فى مشكلة إذا كنت مديناً للبنك بمائة جنيه، ولكن البنك سيكون هو فى مشكلة إذا كنت مديناً له بمليون جنيه.” ولكن ما هى الموعظة من هذه المقولة؟ الفكرة بسيطة وهى أن المدين يكون، عادة، تحت رحمة الدائن إذا كان الدين صغيراً، أما إذا كان الدين كبيراً، فإن الدائن يصبح هو، وليس المدين، فى وضع صعب وتحت رحمة المدين، فالمدين يرهن الدائن وربما يفرض عليه شروطه.

والآن، عندما نتحدث عن العالم المعاصر، والأكثر منه حيوية. فما هو شكله؟ يمكن تقسيم العالم المعاصر إلى ثلاثة عناصر من التجمعات الرئيسية الأكثر فاعلية فى الإقتصاد العالمى. هناك الدول الصناعية التقليدية المتقدمة، وهناك الدول الناشئة أو الصناعية الجديدة مثل دول جنوب شرق آسيا والصين والهند وربما البرازيل. وبشكل عام، فإن معظم الدول النامية، خارج المجموعتين المتقدمتين، لا تلعب دوراً مؤثراً فى الأوضاع الإقتصادية العالمية، وخاصة حين يتعلق الأمر بالتدفقات المالية الكبرى. ففيما يتعلق بإنتقالات رؤوس الأموال، فإن الدائنين الرئيسيين، على الأقل خلال العقود الثلاثة الأخيرة، هما مجموعة الدول الصناعية المتقدمة من ناحية، ومجموعة الدول الصناعية الجديدة ويضاف إليهم الدول المصدرة للنفط من ناحية أخرى. أما الدول المستوردة لهذه الفوائض المالية فهم عادة الدول الصناعية المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة، التى تستحوذ على أكبر قدر من إستيراد الأموال. وعلى العكس، فإن الدول الصناعية الجديدة ـ وعلى رأسها الصين ـ هى التى تقدم أكبر قدر من الأموال لسد عجز موازين الدول الصناعية القديمة. ففى خلال الفترة 2000-2012 بلغ حجم إنتقالات رؤوس الأموال حوالى 13.5 تريليون دولار، حصلت منها الولايات المتحدة على ما يزيد نصفها، أى أكثر من 7 تريليون دولار. والمدين الرئيسى فى الإقتصاد الأمريكى هو الحكومة، وحيث يبلغ حجم الدين الحكومى الأمريكى أكثر من 6.5 تريليون دولار، حوالى ثلاثة أرباعها فى أيدى دائنين أجانب على رأسهم الصين ودول الفوائض النفطية.

وقد عرفت الولايات المتحدة خلال هذه الفترة، أزمتين ماليتين هما : أزمة الأوراق المالية للتكنولوجيا (نازداك) فى 2000، ثم أزمة أسواق العقارات فى 2008. وقد لجأت الحكومة الأمريكية، آنذاك بإتخاذ سياسات توسيعية، إعتمدت على توسع الحكومة فى الإنفاق وزيادة عجز الموازنة، وخفضت أسعار الفائدة إلى ما يقرب الصفر. ولم يمنع هذا الإنخفاض فى أسعار الفائدة، أو إضطراب الأوضاع المالية للولايات المتحدة، المستثمرون فى دول الفائض (فى الصين وبوجه خاص) من زيادة توظيفاتهم المالية فى الولايات المتحدة. وهكذا نجحت الولايات المتحدة بعد أن ضمنت قيام الدولار بدور النقود الدولية ـ فى أن تضع دول الفائض فى وضع المسئول عن حماية قيمة توظيفاتهم الدولارية. فدول الفائض بإعتبارها الحائزة على ثروات هائلة بالدولار، أصبح عليها ضرورة حماية هذا الدولار حماية لثرواتها المتراكمة فى الأسواق الأمريكية عبر السنوات. وفى نفس الوقت، أصبحت الولايات  المتحدة، فى وضع يمكنها من زيادة الإنفاق دون أن يتحمل المواطن الأمريكى عبء هذه الزيادة التى يتكفل بها دول الفوائض المالية. وأصبح أهم صادرات الولايات المتحدة الأمريكية، هو تصدير الدولار فى شكل أوراق مالية يقبل عليها المستثمرون من دول الفائض لحماية إستقرار البورصات العالمية، وبالتالى ثرواتهم المتراكمة. وعندما تصدر الولايات المتحدة الدولار، فإنها لا تتحمل أى تكلفة، وهذا ما يعرف فى الإقتصاد “بحقوق الإقطاعى”. فالدولار أصبح مصدر ريع للإقتصاد الأمريكى. فالولايات المتحدة، من الناحية الواقعية، هى البنك المركزى العالمى للنقود الدولية.

وبهذه الميزة، أن أصبح الإقتصاد الأمريكى هو ـ وحده دون أى إقتصاد فى العالم ـ قادراً على زيادة الإستهلاك والإستثمار معاً. فأى إقتصاد آخر، عليه المواءمة بين زيادة الإستهلاك أو زيادة الإستثمار. أما الإقتصاد الأمريكى، فإنه قادر على زيادة الإستهلاك بلا خشية من نقص المدخرات اللازمة للإستثمار. والسبب فى ذلك، هو أن دول الفائض المالى فى العالم مستعدة دائماً للتوظيف فى الأوراق المالية الأمريكية، وبما يسمح بزيادة الإستثمارات الأمريكية رغم إنخفاض معدلات الإدخارات المحلية والتى تعوضها المدخرات الأجنبية. ولم يكن غريباً ان ينخفض معدل الإدخار الفردى الأمريكى إلى أدنى مستوى دون نقص فى معدلات الإستثمار حيث تقوم دول الفائض المالى فى الصين والدول الصناعية الناشئة ودول النفط بالقيام بتوفير هذه المدخرات للإقتصاد الأمريكى. فحماية الدولار لم يعد مشكلة للولايات المتحدة الامريكية وحدها، بل هى أيضاً مشكلة العالم فى مجموعه وخاصة دول الفوائض المالية.

وهكذا، فالدولار هو أقوى سلاح فى يد الولايات المتحدة، وتكلفة إستخدامه لا يتحملها المواطن الأمريكى وإنما العالم فى مجموعه، وخاصة دول الفوائض المالية. ولم يكن غريباً أن تحارب الولايات المتحدة كل محاولة لإيجاد نظام نقدى جديد، كما حدث مع “حقوق السحب الخاصة”. فالدولار هو أقوى سلاح فى ترسانة الولايات المتحدة. والله أعلم.    

الاهرام 26 يوليو 2014