الشروق

لماذا يؤيد الامريكيون حكم الاخوان

سوف يكون من الإجحاف القول بأن مجىء الإخوان لحكم مصر قد تم بسبب دعم الأمريكيين لهم. فلا شك أن هناك قوة تصويتية كبيرة قد صوتت لهم فى الانتخابات الأخيرة فضلا عما يتمتعون به من تأييد شعبى كبير بين العديد من فئات المجتمع.

وإذا كانت هناك أقاويل متعددة حول وجود خروقات فى عملية التصويت، فمما لا شك فيه أن نحو نصف الناخبين قد صوتوا للدكتور مرسى فى حين أن الباقى قد صوت للفريق شفيق، وليس من الواضح أن الفارق البسيط بين الحالتين يرجع إلى عمليات تزوير أم لا؟.

ولذلك يمكن القول بدرجة كبيرة من الاطمئنان أن وصول الدكتور مرسى إلى الحكم قد جاء استنادا إلى درجة عالية من التأييد الشعبى، وإن كانت هناك نسبة عالية أخرى من الناخبين كانت ترفض هذا الترشيح. وفى النهاية، فإن الفارق بين الأصوات المؤيدة لمرسى فى الانتخابات وتلك المعارضة له لم يتجاوز 2٪ من مجموع المصوتين. ولذلك، فإن القول بأن مجىء مرسى قد تحقق بسبب دعم الأمريكيين يبدو مبالغا فيه وربما غير صحيح. ولكن الصحيح أيضا، هو أن الأمريكيين قد رضوا بهذه النتيجة، وربما ساندوها بقوة من وراء الكواليس.

والسؤال: لماذا هذا التأييد لحكم مرسى والإخوان المسلمين؟

لا يمكن أن يكون الأمر مجرد احترام حكم الأغلبية ومبادئ الديمقراطية، فالشعب الأمريكى شعب ديمقراطى حقا، وهو يؤيد الحكم الديمقراطى فى مختلف الدول ويرفض الحكم الديكتاتورى، ولكن السياسة الأمريكية لها أيضا مصالح استراتيجية لا يمكن التضحية بها.

ونظرا لأن الإخوان كانوا يتمتعون بشعبية كبيرة على الأقل وقت إجراء الانتخابات، فإن المصالح الاستراتيجية الأمريكية تفضل حكم الإخوان فى هذه الحقبة على سواهم.

وأود التأكيد على عبارة فى «هذه الحقبة»، وذلك طالما أن حكم الإخوان يستند إلى قاعدة شعبية كبيرة تقترب من نصف الناخبين. أما بعد ذلك، وبعد نهاية هذه الحقبة، فالأمر مختلف.

فلماذا يريد الأمريكيون حكم الإخوان فى مصر الآن، وبشرط ان تكون لهم قاعدة شعبية معقولة؟ هذا هو السؤال.

وقد طرحت هذا السؤال على نفسى، بعد ان تأكدت من خلال العديد من المؤشرات ان مقولة دعم الأمريكيين للإخوان لها ما يسندها. فلماذا إذن هذا الدعم الآن؟

للوهلة الأولى يبدو أن المصالح والمبادئ التى تدين بها أمريكا، لا تتفق على وجود حكم دينى إسلامى فى مصر، التى هى أكبر الدول العربية وتتمتع بمكانة متميزة فى العالم الإسلامى. فالحكم الدينى يتعارض كلية مع المبادئ الليبرالية التى تؤمن بها الولايات المتحدة، وبشكل خاص فإن الدين الإسلامى، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، أصبح يمثل بالنسبة لفئة واسعة من الشعب الأمريكى خطرا على الديمقراطية وعلى السلام العالمى. كذلك فرغم ان الإخوان المسلمين اعداء للماركسية والشيوعية، مما سمح للأمريكيين، فى فترة الحرب الباردة، بتأييد الاتجاهات الإسلامية للكفاح ضد الشيوعية، كما حدث فى أفغانستان بعد الغزو السوفييتى، ومشاركة المجاهدين الإسلاميين، ومنهم أنصار واتباع بن لادن، فقد تغيرت الأوضاع وسقط الاتحاد السوفييتى وزالت الشيوعية وخطرها، وتحول الإسلاميون من أنصار بن لادن إلى محاربة أمريكا والغرب.

فأمريكا لا تحتاج إلى الإخوان لمحاربة الشيوعية التى سقطت، ولابد لها من أسباب أخرى تبرر تأييدها لحكم الإخوان فى هذه المرحلة. وأمريكا كما يبدو ليست محايدة، فهى تفضل وجود الإخوان فى حكم مصر فى هذه المرحلة، وهو فى نظرى مجرد تفضيل وليس إصرارا، ولأن وجود الإخوان مؤقتا يخدم أغراضا استراتيجية مؤقتة لأمريكا. فما هى هذه الأغراض الاستراتيجية؟.

هذه المصالح الأمريكية الاستراتيجية لا ترجع إلى أمريكا فى ذاتها، وإنما إلى ربيبتها إسرائيل. والأخيرة فى حاجة إلى أن تحكم مصر أكبر الدول العربية بالإخوان المسلمين الآن؟ ودعم الأمريكيين لحكم الإخوان هو دعم بـ«الوكالة» عن إسرائيل، التى تحتاج اليوم إلى اعتراف شعبى يحقق لها ما فشلت فيه رغم تفوقها العسكرى والسياسى والتكنولوجى والاقتصادى. فقد حققت إسرائيل خلال ما يقرب من سبعين عاما أكثر مما كانت تتمناه. فوجود إسرائيل الاقتصادى والعسكرى والسياسى لم يعد مهددا كما كان منذ نصف قرن. فهى دولة معترف بها من دول العالم، وقد حققت نجاحا اقتصاديا كبيرا، ومعدلات الدخل الفردى الإسرائيلى ارتفعت إلى المعدلات الأوروبية وهى تشارك فى التقدم الصناعى العالمى، وقد تم الاعتراف بها رسميا من معظم الدول العربية، وحتى الدول العربية التى لم تعلن اعترافها الرسمى، فإنها تتعامل معها باعتبارها «واقعا» قائما لا مجال للاعتراض عليه. وهذه النقطة الأخيرة هى ما يقلق إسرائيل. فوجود إسرائيل عند نسبة كبيرة من الشعوب العربية والإسلامية هى «واقع مفروض» ولكنها ليست «شرعية». وهذا هو بالضبط ما تسعى إليه إسرائيل. إسرائيل لا تسعى إلى اعتراف الشعوب المحيطة بوجودها الفعلى، فهذا أمر تعتقد إسرائيل انها قد حققته بالأمر الواقع بقوتها العسكرية ونجاحها الاقتصادى وقبولها السياسى والدولى. ولكن إسرائيل لم تنجح حتى الآن فى فرض وجودها الشرعى فى النفوس. فما تسعى إليه إسرائيل ليس هو القبول بالأمر الواقع، وإنما بالاعتراف بمشروعية هذا الوجود.

لقد قامت خلال نصف القرن المنصرم العديد من الخلافات السياسية بين مصر وحكومات العراق أو تركيا أو إيران أو السعودية، ولكنها كلها كانت خلافات «سياسية» ولم تكن منازعة فى شرعية الوجود. ولم يحدث ان قامت المظاهرات فى ظل هذه الخلافات للمطالبة بإلغاء العراق أو إزالة تركيا أو إيران أو السعودية من الخريطة.

ولم يكن الأمر كذلك مع إسرائيل. فيكفى ان تقوم مظاهرة سياسية ضد نظام الحكم فى اية دولة عربية لكى ترفع شعارات «إلى القدس» و«خيبر خيبر». فإسرائيل فى الوعى الشعبى لدى العديد من أبناء الشعب العربى هى كيان غريب مغروس لا شرعية له. فالمشكلة ليست اختلافا فى السياسات أو التوجهات وإنما هى خلاف على «الوجود». فكيف يمكن إذن تغيير هذا الوضع النفسى الشعبى لدى قطاعات عريضة من الشعوب العربية والإسلامية؟ هذه هى معضلة إسرائيل الآن.

لقد تحاربت مصر مع إسرائيل عدة مرات، وفقدت سيناء فى حرب 1967، وجاء انور السادات ودخل حرب 73 وحقق نصرا عسكريا معقولا أبعد به الاحتلال الإسرائيلى عن قناة السويس، وبدأ المفاوضات لاستعادة باقى سيناء، والتى كان يتمسك بها جزء كبير من الإسرائيليين، أقاموا بها المستعمرات. ولكن السادات لم يتفق مع العناصر المعتدلة من إسرائيل من حزب العمل، وانما احتاج إلى الاتفاق مع أكثر الاطراف تشددا لاستعادة سيناء. فقد كان لابد من « مناحم بيجين» أو من يماثله لإقناع الشعب الإسرائيلى بأن الانسحاب من سيناء هو فى المصلحة العليا لشعب إسرائيل. فلا أحد يزايد على بيجين المتطرف. وعقدت مصر اتفاقية للسلام مع إسرائيل آنذاك وبدأها السادات واستكملها مبارك. واستمرت حالة السلام مع إسرائيل منذ ذلك الوقت. ولكن هل تحقق لإسرئيل «المشروعية» بوجودها لدى الشعب المصرى والشعوب العربية؟.

«المشروعية» هى فى نهاية الأمر حالة نفسية داخلية، بأن الأمر القائم والواقع المستمر هو أمر سليم وليس مجرد أمر واقع مفروض بالقوة. فقد استمر الحكم الاستعمارى لإنجلترا على الهند لقرون، كما استمر هذا الاستعمار لمصر لسبعين عاما، ولكنه ظل واقعا غير مشروع. وكانت النهاية هى ان اضطر الاستعمار إلى ترك الهند ومصر، وان بعد حين. فماذا تفعل إسرائيل لكى يتحول هذا الواقع إلى مشروعية؟.

لابد من «بيجين» جديد لمصر وللأمة العربية يؤكد لابناء الأمة ان وجود إسرائيل ليس واقعا فحسب بل انه شرعى أيضا. لقد كانت الاتجاهات الإسلامية هى الأشد اصرارا ومقاومة للوجود الإسرائيلى، ورأت فى كل ما تحقق على أرض الواقع من اتفاقات أو معاهدات هو إخلال بالواجب الشرعى للمسلم. ولذلك فإن مشروعية إسرائيل تتطلب أيضا قبول هذه الاتجاهات الإسلامية لوجود إسرائيل ومشروعيتها.

جاء الدكتور مرسى إلى كرسى الرئاسة بأصوات الأغلبية من الناخبين المصريين، وأعلن التزامه بجميع المعاهدات، وان السلام مع إسرائيل ليس محل مناقشة. واستمرت العلاقات بين البلدين تسير فى طريقها المعتاد، ولم تقم أزمة واحدة مع إسرائيل، وعندما قتل أحد الجنود المصريين على الحدود قبل اعتذارهم، وتم تفهم الظروف التى أدت إلى ذلك. وأرسل رئيس الدولة وفقا للاعراف الدبلوماسية رسالة إلى «صديقه العزيز» شمعون بيريز، وقامت مصر بالوساطة بين حماس وإسرائيل، وتعهدت حماس لأول مرة بعدم اطلاق صواريخ من غزة على إسرائيل. ورغم ان الرئيس فى مواقفه السابقة كان يرى فى اليهود، «ابناء القرة والخنازير»، فإنه يتعامل معهم الآن وفقا للاعراف الدولية واتفاقية السلام باعتبارهم دولة مجاورة.

فهل يستطيع أحد ان يزايد على رئيس مصر الآن فى مشروعية إسرائيل؟.

واحد قادة الاخوان طالب قبل شهور بعودة اليهود المصريين من اسرائيل الى مصر وتعويضهم.

والآن، وحيث تحاول الولايات المتحدة الوصول إلى اتفاق نهائى لحل المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية مع قبول مبدأ تبادل الأراضى بين الفريقين. فإننا نقترب من الجولة الأخيرة لهذا الصراع الطويل الذى آن له أن ينتهى. وكما ان استعادة سيناء من الاحتلال الإسرائيلى تطلبت التفاهم مع أشد الأطراف تشددا فى إسرائيل. فإن رغبة إسرائيل فى انهاء حالة القلق والعودة إلى أوضاع دولة عادية لها أصدقاء وأعداء، ولكن أحدا لا يشكك فى مشروعيتها. ومن هنا الحاجة إلى حكم الإخوان فى هذه المرحلة. مرحلة المحلل الشرعى.. وأرجو أن أكون مخطئا.. والله أعلم.

الشروق 8 مايو 2013

محنة الدكتور مرسى

يواجه الدكتور مرسى محنة كبيرة تضعه، وتضع البلد معه، فى مأزق شديد، حيث هناك انقسام حقيقى بين طوائف المجتمع، وتدهور خطير فى أوضاع الأمن والاستقرار، وتآكل سريع لهيبة الدولة وقوة القانون، فى ظل حالة اقتصادية مأزومة وتنفرد باختناقات اقتصادية عميقة قد تفتح الباب للمجهول

ومحنة الدكتور مرسى، لا ترجع، فيما أعتقد، إلى عدم قدرته على تشخيص الوضع وإدراك حجم المشكلة، وإنما فى انسداد المخارج أمامه إزاء هذه الأوضاع المتفجرة. كما ترجع  هذه المحنة، أو المأساة، إلى أنه، ورغم احتمال إدراكه لخطورة الأوضاع، وربما سبل الخروج منها، فإنه مضطر إلى الإصرار على المنهج الذى اتبعه والذى       أدى إلى هذا الانقسام المجتمعى

فإذا حاول التراجع عما بدأه، سوف يفسر ذلك بأنه دليل ضعف، وسوف تزداد حدة مقاومته من خصومه الذي سوف يرون بوادر انتصارهم وهزيمته أو بداية النهاية ومن ثم تشديد القبضة عليه ومواصلة الضغط، حتى يتحقق الانتصار الكامل، هذا التراجع قد يفقده العديد من أنصاره ومريديه الذين سوف يرون أن مثل هذا التحول تضحية بهم تتركهم فى العراء وهو نوع من التفريط، وبذلك يفقد الرئيس على الجانبين، من خصومه وأنصاره على السواء

 وهكذا يبدو أن الطريق الوحيد المفتوح أمام الرئيس، هو الإصرار على المضى فيما بدأه مع محاولات التطمين هنا وهناك، والأمل فى كسب الوقت، واكتساب مواقع جديدة توطن سلطته مثل قيام مجلس نواب منتخب وموال له. وفى مثل هذه الحالة الأخيرة، فإن الانقسام فى الأمة سيزداد عمقا. وفى مثل هذه الحالة من الاحتقان السياسى الناجم عن مزيد من الاستقطاب، فإن الأوضاع الاقتصادية الهشة يمكن أن تزيد من عمق المشكلة على الحياة اليومية، وهذه هى محنة أو مأساة الدكتور مرسى.

 بعبارة أخرى، اذا استجاب الرئيس لمنافسيه ربما يخسر فريقا من أنصاره دون أن يضمن كسب خصومه بقلب مفتوح، وإن هو أصر على موقفه، كما يبدو أنه يفعل حاليا، فإن ذلك سوف يزيد من التوتر السياسى والانقسام المجتمعى فى وضع لا تسمح فيه ظروفنا الاقتصادية بمزيد من الانقسام.

وقد بدأت المشكلة نتيجة لنقص أو انعدام الثقة القائم فى المجتمع السياسى المصرى منذ فترة طويلة بين الاتجاهات الإسلامية السياسية وبين ما عرف بالقوى السياسية المدنية.

فهناك قلق وتخوف من مفهوم الدولة الدينية، فى العصر الحديث، لدى طوائف عديدة من المجتمع، وذلك رغم أن معظم هذه الطوائف تضع الدين الإسلامى فى مركز رئيسى من المقومات الحضارية والثقافية للتاريخ المصرى، ولكنها تخشى من استخدام الدين لأغراض سياسية، ورغم أن جماعة الإخوان المسلمين، ومعظم الاتجاهات الإسلامية الأخرى لا تختلف عن ذلك كثيرا، فما يزال هناك إحساس بالقلق وعدم الثقة.

وعندما جاء الدكتور مرسى إلى منصب الرئاسة بعد أن أكد على مدنية الدولة، فإن تصرفاته، فهمت على أنها تنصل من وعوده بتشكيل حكومة من غير الجماعة.

 وهكذا، بدأ الشك من جديد فى مدى سلامة وعود الجماعة، وهكذا بدأت الثقة تنهار بين الطرفين، فكل منهما لا يطمئن إلى الآخر، ويعتقد أن ما يصدر من أحدهما ما هو إلا شكل من أشكال كسب الوقت.

فالقضية فى جوهرها هى قضية انعدام الثقة بين الأطراف.

وجاء الاختلال الأمنى والارتباك السياسى مع صعوبة وخطورة الأحوال الاقتصادية لتزيد الموقف تعقيدا.

وعندما تفتقد الثقة بين الأطراف، فإن أية حلول سوف تقدم لن تناقش فى إطار ما تتضمنه هذه الحلول من إجراءات، وإنما سوف تفسر فى الغالب على أنها مناورة لكسب الوقت، ومن هنا فإن الخاسر الأكبر هو الوطن والمواطنون.

 والله أعلم

     الشروق: 22 مارس 2013

القاضى لا يخضع لغير القانون

القاضى لا يخضع لغير القانون

نشر فى :الإثنين 3 ديسمبر 2012

أكتب هذا المقال صباح السبت أول ديسمبر وقبل صدور حكم المحكمة الدستورية. وحسبما تنبئ الأحداث المتتالية منذ صدور إعلان الرئيس مرسى عن إعلانه الدستورى يوم الخميس الماضى، فإن شيئا جللا يمكن أن يحدث غدا بعد إصدار احكم الدستورية العليا

ولا أحد يعرف على وجه اليقين طبيعة الحكم ومنطوقه، ولكن سير الأحداث يوحى بأن الحكم لن يكون «مريحا للحكومة» أو هكذا تتوقع حكومة مرسى. ولذلك صدر الإعلان الدستورى ــ فيما يبدو ــ لإجهاض هذا الحكم المتوقع. وتوالت الأحداث وقامت المظاهرات والاحتجاجات والمسيرات المعارضة ثم المسيرات المساندة. وأسرعت اللجنة التأسيسية فى الانتهاء من مناقشة مسودة الدستور فى جلسات ماراثونية استمرت حتى الفجر بعد يوم عصيب واحتجاجات جاوزت العشر ساعات، لكى توضع تحت نظر الرئيس صباح السبت ليتخذ إجراء استباقيا قبل صدور حكم المحكمة الدستورية المتوقع.

 

مع صدور الإعلان الدستورى لرئيس الجمهورية بدأت البلاد تنزلق إلى منحدر خطير لانقسام الأمة بين معارض ومؤيد لقرارات الرئيس، والجميع يدعم دعواه باسم الثورة والثوار. إذا كان للثائرين فى الميادين بعض الحق فى دعواهم، فإن رئاسة مرسى وحكومته قد جاءت عبر صندوق الانتخابات وفقا للإعلانات الدستورية الصادرة سابقا عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كما ترشح الدكتور مرسى للرئاسة فى ظل هذه القوانين وانسحب المرشح الآخر للجماعة لأنه لم يستوف الشروط اللازمة للترشيح، وتمت الانتخابات تحت إشراف القضاء، وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات برئاسة رئيس المحكمة الدستورية العليا الدكتور مرسى رئيسا. وجاء المرشح المنتخب (الدكتور مرسى) وقبل الترشيح وأقسم اليمين أمام هذه المحكمة الدستورية وفى بداية القسم باحترام الدستور والقوانين. وأصدرت المحكمة الدستورية العليا بعد ذلك حكما بإبطال انتخاب مجلس الشعب، ونفذه رئيس الجمهورية ــ وإن بامتعاض ــ وأعاد تشكيل اللجنة التأسيسية نزولا على رأى المحكمة.

 

وهكذا فقد كان مجىء الرئيس مرسى إلى سدة الرئاسة بمقتضى عهد بينه وبين الأمة متمثلا فى الإعلان الدستورى القائم آنذاك وغيره من القوانين السائدة. وهكذا، فإن انتقال السلطة فى أول يوليو إلى الرئىس مرسى كان نهاية للمرحلة الانتقالية. ولم يكن الأمر مجرد نقل السلطة من المجلس العسكرى إلى سلطة سياسية جاءت بقوة الثورة بقدر ما جاءت بحكم صندوق الانتخاب. وقد حصل الدكتور مرسى على أكثر قليلا من نصف الأصوات وذهب الباقى لمنافسه. ولم يعترض الدكتور مرسى ولا أنصاره خلال المعركة الانتخابية على دخول المنافسة مع عدد من المرشحين الآخرين باعتبارهم من خارج الثورة!

 

لقد حرص الرئيس مرسى ــ منذ توليه ــ الرئاسة على التأكيد على مفهوم «دولة القانون» واحترام أحكام القضاة.

 

وقد جرت على ألسنة العديد من السياسيين بمناسبة ما تتعرض له الهيئات القضائية من ضغوط على القول بأن هناك اعتبارات سياسية تجاوز المفاهيم القانونية، وأنه لا يمكن الاكتفاء بالمنظور القانونى «الضيق». واخشى ان تكون هذه هى البداية لسقوط دولة القانون بدعوى أن «الضرورات تبيح المحظورات». هذا حق، ولكنه مشروط بموافقة الأمة وليس بمعرفة فرد أو أقلية من مراكز السلطة والحكم. البلد ملىء بالشائعات، وأكثرها غير صحيح. ولكن ماذا يحدث إذا صدقنا ــ دون دليل ــ على المحكمة الدستورية أو غيرها من المحاكم هى مسيسة ولا تخضع للقانون وحده؟ هل يمكن ــ آنذاك ــ أن نطمئن على إعلان المحكمة الدستورية بأن الدكتور مرسى هو الفائز فى الانتخابات؟ ألا يفتح هذا الباب المجال لقبول الشائعة الأخرى بأن المحكمة قد خضعت فى قرارها لتدخل من المجلس العسكرى بل وقد قبل أيضا أن تلك كانت رغبة بعض الجهات الأجنبية؟.

 

التشكيك فى القضاء هو فتح باب جهنم، قد نستطيع فتحه ولكننا لن نتمكن ــ بعد ذلك ــ من إغلاقه. أليست هناك وسائل قانونية للتحقيق فى هذه المخالفات ــ إن قامت أدلة عليها ــ لكن ينظرها القضاء نفسه من خلال أجهزته التأديبية. ألا يوجد عدد من القضاة ــ الآن ــ فى السجون لأنه ثبت فى حقهم ممارسات شابها الفساد. هناك ــ فيما أعلم ــ عنبر فى السجون المصرية لعدد من القضاة المرتشين. ولكنهم دخلوا السجن من خلال القنوات الشرعية. لقد طلبت المحكمة الدستورية من السيد رئيس الجمهورية أن يقدم للسلطة القضائية ما لديه من أدلة أو حتى شبهات لكى يمكن التحقق منها، وأرجو أن يستجيب الرئيس لهذا المطلب. دولة القانون واستقلال القضاء هو الحصن الأخير لحماية حقوق وحريات الأفراد. ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة توافر «الثقة» فى هذا المرفق المهم. واثارة الشكوك والظنون حول نزاهة القضاء لا تضر فقط بالسلطة القضائية بل انها سوف تهدم أساس الاستقرار فى الأمة، وهو الثقة فى القضاء. وأولى وأحرص الناس على الثقة فى القضاء هو الحاكم نفسه. والخاسر الأول من فقدان الثقة من القضاء هو الاستقرار السياسى. الرئيس مرسى هو أول من يحتاج إلى تدعيم الثقة فى القضاء، وإذا ثار ما يدعو إلى بعض المضايقة للسلطة التنفيذية، فلا يجوز أن يكون رد الفعل كالزوج الذى يختلف مع زوجته فيشيع عنها سوء السمعة!

 

وأخيرا، فإننى أحيى القضاء على موقفه الصامد الذى هو من تقاليد الأمة الإسلامية. وهو موقف يذكرنا بما قام به الإمام القاضى العز بن عبدالسلام عندما أصر على بيع المملوك الظاهر بيبرس حين استدعى للبيعة، فرد عليه قائلا: «يا ركن الدين، أنا أعرفك مملوك البندقدار، ولا تصح بيعتك» فما كان من الظاهر بيبرس إلا أن أحضر ما يثبت أن البندقدار قد وهبه للملك الصالح الذى أعتقه. وهنا فقط تقدم الشيخ وبايع بيبرس، على الملك. هكذا يكون القضاء وهذا ما نريده. والله أعلم.

 

الشروق 2 ديسمبر 2012

الديمقراطية ليست كافية ولكنها ليست أكذوبة

قرأت مقالا شيقا كما هى العادة للدكتور جلال أمين. والدكتور جلال أمين مفكر كبير وأحد أهم رموز العقل المصرى وقد علم أجيالا من الشباب سواء فى جامعة عين شمس أو الجامعة الأمريكية، وهو يحظى بشعبية هائلة وحب وتقدير من كل تلاميذه وقرائه. وفضلا عن هذا وذاك فهو صديق عزيز وقديم، تربطنا صداقة امتدت لما يقرب من نصف قرن، بدأت فى البعثة التعليمية فى الخارج واستمرت وتطورت بعد عودتنا إلى أرض الوطن، وهى صداقة لا تقوم على المعزة والود فقط بل تنطوى على قدر هائل من الاحترام والتقدير.

وبعد هذه المقدمة الطويلة أعود إلى لب الموضوع. قرأت فى جريدة «الشروق» فى عدد الجمعة 31 أغسطس مقالا للدكتور أمين بعنوان «أكذوبة الديمقراطية»، وكالعادة وجدت أننى أتفق فى معظم ما ورد فى المقال من مقدمات، لكى أنتهى بالاختلاف مع ما انتهى إليه من نتيجة.

 وأبدأ بتحديد موقفى وفهمى لوضع الإنسان فى الحياة. فأنا أعتقد لن يوجد مجتمع بلا مشاكل وحيث يشعر الجميع بالراحة والسعادة، فهذا حلم أو وهم. بل أننى أذهب إلى أبعد من ذلك. وأعتقد أن مثل هذا الوضع لو تحقق لأصبح أقرب إلى الكابوس والنقمة منه إلى النعمة. فإنسان سعيد وفى راحة كاملة ولا شكوى له من جار أو حاكم، هو غالبا إنسان بلا طموح وآمال. فمشكلة الإنسان ومحنته وأيضا عظمته، هى أن طموحه لا حدود له، وأنه إذا حقق أملا فإنه ما يلبث أن يتطلع إلى أمل جديد. وهذه نعمة من الله على خلقه، فالإنسان ناقص بطبيعته يسعى إلى «الكمال»، ولكن «الكمال» ليس محطة ثابتة يمكن الوصول إليها، وكلما اقترب منها اتسع أفقه ليكتشف آمالا جديدة تجاوز أحلامه السابقة. فرحلة التقدم هى مسيرة بلا نهاية. وإذا وصل الإنسان إلى محطة الوصول التى حققت كل آماله وتطلعاته فلن يكون أمامه سوى الموت. فالموت هو الخاتمة الوحيدة للآمال المحققة. والتقدم لا يعنى إلغاء المشاكل، بقدر ما يعنى الارتقاء بها إلى مستوى أعلى. ففى المجتمعات البدائية والوحشية كان هدف الإنسان هو مجرد البقاء حيا إزاء الوحوش وغارات القبائل الأخرى. ومع ظهور المجتمعات المنظمة تمتع الإنسان بقدر أكبر من الأمن وإن ظل لسلطة شيخ القبيلة أو الكاهن سيطرة شبه كاملة عليه. ومع ظهور الدولة تمتع الفرد بقدر أكبر من مساحة الحرية وإن ظل احيانا عبدا بلا حقوق. ومع تحرير العبيد اكتسب الإنسان حرية وإن ظل مكبلا اقتصاديا وسياسيا. وهكذا، فالتقدم يزيح عقبات لنكتشف آفاقا جديدة نسعى إليها.

يشير الدكتور جلال إلى اختفاء الرؤساء الذين لهم احترام وكاريزما مثل ونستون تشرشل وديجول أو كنيدى، ووصول رجال عاديين إلى سدة الحكم وبعضهم لهم «من صفات الممثلين أكثر من صفات الزعامة». ولا أدرى إذا كان الدكتور أمين يعتبر هذا شيئا إيجابيا أم سلبيا، وهو من حدثنا عن عصر «الرجل العادى». أليس هذا تقدما بعد أن سقطت عن الحكام هالة القداسة الكاذبة أو الزائفة. وهل يعتقد أن «هنرى الثامن فى إنجلترا»، أو «لويس الرابع عشر» فى فرنسا، كانا من العظماء أصحاب الكاريزما؟ وكلاهما عرض بلاده لحروب طائلة، وربما الأقرب إلى الحقيقة هو أنه كان لديهم «من صفات الممثلين أكثر من صفات الزعامة الحقيقية»، فقد عرضوا بلادهم والقارة الأوروبية لآلام شديدة استمرت قرونا لمجرد أهواء أو نزوات شخصية. أننى اعتقد أنه من محاسن الديمقراطية أن خلصتنا من تقديس الزعماء، فهم فى نهاية الأمر مواطنون عاديون فيهم الصالح والطالح.

ويركز الدكتور أمين على ما ظهر فى العصر الحديث من مشاكل جديدة مع ظهور ظاهرة «الشركات متعددة الجنسيات» وظاهرة «المجتمع الاستهلاكى». وهى ظواهر خطيرة وتستحق المواجهة. ولولا الديمقراطية وحرية الرأى ووصول عامة الناس إلى أعلى المناصب لما أمكن كشف وتعرية ممارسات هذه الشركات وإظهار مخاطر الدعاية والإعلام. ومن هنا لم تقتصر المطالبات على الحرية السياسية وإجراء الانتخابات، وإنما أضيف إليها المطالبة بالعدالة الاجتماعية وصيانة البيئة ومستقبل الأجيال القادمة وحماية السلم العالمى.

حقا، الحديث عن الديمقراطية وأهمية الانتخابات والاعتراف بالحريات العامة لا يكفى وحده لمواجهة كل مشاكل العصر الحديث ومنها العولمة ومظاهر المجتمع الاستهلاكى. ولكن الديمقراطية السياسية، ليست علاجا لجميع الأمراض، ولكنها على الأقل علاج ضد الاستبداد وإهدار حقوق الفرد وحرياته، وهى أمراض خطيرة فى ذاتها بل إنها خطوة على الطريق لمواجهة مخاطر الشركات متعددة الجنسية وانتشار مظاهر المجتمع الاستهلاكى والمقزز أحيانا. والمطالبة بالديمقراطية والعمل على تحقيقها لا يعنى الرضوخ للشركات متعددة الجنسية أو اعتناق مظاهر مجمع الاستهلاك.

يؤكد الدكتور أمين فى ختام حديثه بأن العائق الأساسى أمام الديمقراطية ليس الحاكم القاهر المستبد وليس هو الفقر والجهل وانما هو سطوة الشركات العملاقة ونمو ظاهرة المجتمع الاستهلاكى. ويبدو لى أن الحاكم القاهر المستبد والفقر والجهل هما اهم وسائل الشركات العملاقة ومجتمع الاستهلاك، فضلا عن أنهما اشباح هائمة وليس اهدافا محددة.

الديمقراطية علاج لأمراض الاستبداد وإهدار الحقوق والحريات وإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة فى حماية مصالح الوطن، ومن بينها التحذير من مخاطر الشركات متعددة الجنسيات ومجمع الاستهلاك. الديمقراطية السياسية وحدها قد تكون غير كافية.. ولكنها ضرورية، وقطعا ليست أكذوبة. والله أعلم.

الشروق: 4 سبتمبر 2012

التربـص وعدم الثقة

نشرت منذ أكثر من خمس عشرة سنة مقالين عن «الثقة» (الأهرام فى 9 و16 سبتمبر 1996)، وذلك بمناسبة ظهور كتاب المؤلف الأمريكى فوكوياما عن «الثقة»، وكان الفرنسى آلان بييرفيت قد أصدر بدوره كتابا حول أهمية الثقة لتحقيق التقدم الاقتصادى.

كان الهدف من المقالين هو التأكيد على أن التقدم الاقتصادى لا يعتمد فقط على العناصر الاقتصادية من استثمار وادخار، بل إنه يتطلب أيضا نوعا من «رأس المال الاجتماعى» المتمثل فى توافر عناصر الثقة والاطمئنان فى علاقات الأفراد ببعضهم البعض وفى المؤسسات القائمة، وصلاحيتها بشكل عام فضلا عن الثقة والتفاؤل بالمستقبل. وهكذا فإن تحقيق التقدم الاقتصادى والاجتماعى ليس مجرد عملية مادية بتراكم رأس المال الفنى «المادى»، وإنما هناك جانب نفسى اجتماعى يقوم على الثقة والتفاؤل. وبطبيعة الأحوال، فإن توافر عنصرى الثقة والتفاؤل فى المجتمع لا يمنع من وجود نظرة نقدية للأوضاع ودعوات للتغيير والإصلاح. فالثقة والتفاؤل ليسا وصفة للجمود وعدم التغيير، بل على العكس ونظرا للتفاؤل بالمستقبل فإن هذه الثقة نفسها تتطلب مزيدا من التغيير للإصلاح. فمع التفاؤل تزيد الرغبة فى مزيد من النجاح بالاستمرار على طريق الإصلاح.

●●●

وليس هنا محل إعادة ترديد ما أوردته فى المقالين، ولكن ما أردت التأكيد عليه اليوم هو أن الأزمة السياسية التى نعيشها هذه الأيام إنما ترجع فى الأساس إلى حالة التربص وعدم الثقة التى تسود المجتمع المصرى حاليا. وجاءت مناسبة اختيار أعضاء اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، تأكيدا لهذه الحالة من التربص وعدم الاطمئنان التى تسود المجتمع السياسى المصرى فى اللحظة الحالية.

لاشك أن الحياة السياسية ستصاب بالركود، إن لم يكن بالموات. إذا غلب عليها فكر واحد. فالحياة تتطلب الحركة والتغيير والابداع وانتقاد القديم والبحث عن الجديد. ولكن كل هذا يتم فى إطار من الاطمئنان حول «وجود» الآخرين وعدم حرمانهم من التعبير عن آرائهم المعارضة. فالحياة السياسية وهى تتطلب التنوع والتجديد المستمرين، فإنها لا تسعى إلى إلغاء الآخر. فالجميع يعترف بأن مختلف النظم السياسية قاصرة وليس من سبيل إلى الوصول إلى الكمال، وإن كان من خلال «التجربة والخطأ» نتقدم دوما درجة أو درجات، كما قد نتراجع أيضا، ولكن مسيرة البشرية هى بوجه عام نحو الأصلح. فكلنا بشكل أو آخر قاصر ومحدود، والتقدم مسيرة بلا نهاية، كما أن طريق هذه المسيرة ليس ميسرا دائما. ورغم كل هذا فالتاريخ البشرى كان غالبا نحو الأفضل. وليس هناك من وسيلة للتعليم سوى «التجربة والخطأ». والطفل لا يتعلم المشى إذا لم يقع، وهكذا فالاختلاف فى الرؤى ليس نقمة، إنما يفتح الباب لمزيد من الفرص للتعلم، ومع مزيد من الخيارات المتاحة تزيد فرص النجاح.

●●●

كل هذا صحيح، وتتوافق عليه غالبية الأطراف السياسية. فالجميع يتحدث عن التعددية وتنوع الافكار والتوجهات وحق الجميع فى العبير عن آرائه. فأين المشكلة إذن؟

أعتقد أن مصر تمر حاليا بمرحلة استقطاب خطيرة. فلم يعد الأمر مجرد اختلاف فى الرؤى السياسية، وإنما هناك نوع من عدم الثقة وربما التخوف بأن الطرف الآخر لا يسعى إلى الأخذ بأفكار مختلفة بقدر ما يسعى إلى إلغاء الطرف المخالف. حقا، هناك تنوعات سياسية متعددة، ولكن ذلك لم يمنع من الاستقطاب. فما يطلق عليه اسم «الإسلاميين» ليس فرقة واحدة بل هناك رؤى متعددة وفى غير قليل من الأحوال اختلافات غير قليلة. كذلك، فإن ما يطلق عليه الليبراليون أو أصحاب الفكر المدنى ليسوا على قلب رجل واحد بل هناك اختلافات عديدة بينهم. كل هذا صحيح، ولكن هناك فارقا مهما، وهو أن ما يميز ما بين «الإسلاميين» وما بين أصحاب الفكر المدنى ليس مجرد الاختلاف فى المفاهيم بقدر ما هو عدم الثقة والتربص بالآخر، فليس الأمر خلافا فى الآراء أو التوجهات بل تخوفا من النوايا «بإلغاء الآخر». فالقضية لم تعد قضية آراء متعارضة بل تكاد تصل لتصبح قضية «وجود». ففى العقل الباطن لكل من الفريقين القضية ليست اختلافا فى «الرؤية» بقدر ما تصور بأنها محاولة «للإلغاء». فالثقة مفقودة بين الطرفين، وكل منهما يتربص بالآخر أو يتصور أن الآخر يتربص به.

وترجع حالة التربص والخوف إلى أوضاع نفسية وأحداث تاريخية أثرت فى النفوس. فقد عانت جماعة الإخوان المسلمين ومعها العديد من أصحاب التوجهات الدينية خلال أكثر من نصف قرن من التعذيب والتهميش، وذلك رغم دعاوى الحكومات المتعاقبة على احترام القانون وحقوق الإنسان. كذلك فرغم أن معظم الاتجاهات المدنية من ليبرالية ويسارية كانت ترفض التعذيب والتهميش، فإنها أيضا لم تأخذ مواقف قوية للدفاع عنهم، ربما لأنهم أيضا كانوا معرضين لنفس المخاطر. ومن هنا نفهم بعض العتاب المكتوب من جانب الإسلاميين إزاء أنصار الفكر المدنى. وعلى الجانب الآخر، فإن المخاوف من سيطرة الإسلاميين ترجع إلى ما يستمعون إليه من بعض الآراء المتطرفة التى تكفر كل ما جد من مظاهر الحياة المعاصرة، كما يستحضرون تجارب دول أخرى مثل إيران وأفغانستان مع طالبان أو معاملة النساء فى السعودية. وهكذا فإن القضية بين الطرفين ليست مجرد اختلاف فى الرأى والرؤية، ولكنها تجاوز ذلك إلى الخوف وانعدام الثقة والخوف من التهميش أو حتى الإلغاء الأبدى.

هكذا، فإن ما يجرى على الساحة السياسية فى مصر ليس مجرد اختلافات فى الرأى بقدر ما هى حالة تربص وعدم ثقة إن لم تكن خوفا. وأين الحل؟ من السهل أن يؤكد كل من الطرفين أنه لا يسعى إلى إلغاء الآخر. ولكن هل يكفى هذا؟ لا أعتقد. فمع انعدام الثقة لا أهمية كبيرة للكلام وما يقوله أى من الطرفين. ولابد إذن من عمل لإعادة الثقة، وأنه لا توجد نية للإلغاء، وان مصر تتحمل بل وتستحق أن تتعدد فيها الرؤى، وأن هذا مصدر ثراء وحيوية. ولكن من يستطيع أن يأخذ الخطوة الأولى؟

أعتقد، أن المسئولية تقع دائما على الأغلبية، وان عليها أن تتصرف بأكبر قدر من المسئولية. فالأقلية دائما فى قلق، وسعة الأفق والسماحة لا تتفقان مع القلق، أما الأغلبية، فلديها من مبررات الثقة ما يدعوها إلى أخذ مواقف أكثر جرأة وشجاعة. ولذلك، فقد كنت أرى، دائما، أنه فى قضايا الاحتقان الطائفى فإن المسئولية الأولى تقع على الغالبية، لأنها، وبحكم هذه الأغلبية أكثر قدرة على اتخاذ مواقف شجاعة.

●●●

وهكذا، فإنه فى الأزمة الأخيرة لتشكيل اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، فإن المسئولية الكبرى تقع على الغالبية من البرلمانيين، لأنهم لم يتصرفوا بدرجة كافية من الشجاعة والعطاء بإعطاء المثال بأنها أكبر من الإصرار على تحقيق الأغلبية العددية فى هذه اللجنة. فلجنة إعداد الدستور هى فى نهاية الأمر لجنة فنية سوف تقترح صياغة لمواد الدستور الذى سيعرض من خلال البرلمان على الشعب لإبداء رأيه فيه. ومن هنا فإنه لا خوف من الانحراف بنصوص الدستور المقترح عما تتطلع له الجماهير. وفى هذا المناخ من التربص وعدم الثقة، فقد كان المأمول هو أن ترتفع الأغلبية لمستوى الحدث وتتعالى عن الصغائر وتحقيق أغلبية فى عدد الأعضاء. فربما كان الأجدر بهذه الأغلبية. أن تختار أكبر الأسماء فى مصر من داخل أو من خارج البرلمان دون تقيد بأغلبية هنا أو أقلية هناك. هذا مسلك لا يملك القيام به إلا الغالبية الواثقة فى نفسها. فهى وحدها القادرة على تجاوز مخاوف الآخرين، ومع ثقتها من نفسها فإنها لابد وأن تكون قد تجاوزت مخاوفها الماضية. هذا اختبار، والفائز فيه ليس من حصل على أكبر عدد من المقاعد بل من أعطى لبلده أكثر باختيار أفضل العناصر. أرجو أن تكون الأغلبية البرلمانية على مستوى المسئولية التاريخية. والله أعلم

الشروق: 3 أبريل 2012