المصري اليوم

الشفافية فى مكافآت رجال الدولة

الله أعلم:

الشفافية فى مكافآت رجال الدولة

دكتور حازم الببلاوى

تلقيت دعوة كريمة من السيد رئيس اللجنة المالية بمجلس الشورى للمشاركة فى جلسة حوار تضم بعض رجال الإقتصاد لمناقشة قضية العجز فى الموازنة العامة وكيفية معالجتها. وقد أبلغت السيد رئيس اللجنة، بأنه ليس لدى جديد فى الموضوع، وأن آرائى معلنة ومكتوبة ومنشورة ولذلك، فإننى لا أرى جديداً يمكن أن أضيفه ولكنه أصر على أهمية الحضور فى بداية سلسلة للجنة الإستماع لمختلف الآراء فى هذه القضية الهامة.

وقد حضرت الإجتماع فى مقر المجلس، وشارك فى الإجتماع السيد وزير المالية والدكتور على لطفى والدكتورة يمن الحماقى. وقد فهمت أن هناك سلسلة من الإجتماعات حول نفس الموضوع.

وليس هنا مجال ترديد ما ذكرته فى هذه الجلسة عن موضوع عجز الموازنة وخطورته وضرورة البدء فى إتخاذ إجراءات سريعة وحازمة، مع بدء عملية توعية للشعب لمعرفة مدى خطورة الأوضاع المالية وعدم قابليتها للإستمرار. فالمصارحة هى الطريق الوحيد، ولا يمكن أن نعالج هذه المشكلة إذا لم يكن الرأى العام على وعى كامل بحجم المشكلة، وأن تأجيل المواجهة لن يؤدى إلا إلى مزيد من الصعوبة فى العلاج.

وليس الغرض من هذا المقال تكرار ما قلته فى اللجنة، فهو لا يخرج عما كنت أقوله بإستمرار، وقد نشرت لى مقالات عن العجز والدعم منذ عدة عقود، وأذكر منها مقالاً نشرته الأهرام للتحذير من خطورة تضخم حجم الدعم، وكان عنوان المقال “الدعم كالملح: كثيره يفسد الطعام”. وقد “أعيد نشر هذا المقال فى كتابى “فى الحرية والمساواة”، 1985. ولكن ما إسترعى إنتباهى فى هذه الجلسة هو رد الفعل الحاد على ملاحظة سريعة أبديتها فى إطار الحديث عن وضع ضوابط للحدود القصوى لما تدفعه الدولة للعاملين فيها. وكان موضوع التفاوت فى المرتبات والأجور أحد أهم القضايا التى شغلتنى عند دخولى الحكومة، وقد قدمت فى ذلك الوقت تقريراً لمجلس الوزراء لضرورة وضع ترتيب لعلاج هذه القضية، مؤكداً على مبدأين: تطبيق الشفافية من ناحية، وتحديد العلاقة بين الحدود الدنيا والقصوى من ناحية أخرى. وهكذا قدمت لحكومة الدكتور عصام شرف “مشروع قانون: بشأن المرحلة الأولى للحد الأقصى للأجور وربطه بالحد الأدنى للأجور”، ووافق عليه مجلس الوزراء آنذاك فى إجتماعه فى 30 أكتوبر 2011. وقد صدر هذا القانون بعد ذلك فى ظل حكومة الدكتور الجنزورى بغير تغيير ـ بإستثناء تخفيض الحد الأقصى من 36 ضعفاً إلى 35 ضعفاً من الحد الأدنى.

أما ما اشار دهشتى هو أنه فى خلال المناقشة لبند الأجور والمرتبات فى الموازنة، توجهت إلى السيد رئيس اللجنة المالية متسائلاً عما إذا كانت مكافآت السادة النواب ما تزال تستمر على التقليد الذى كان سائداً فى العهد السابق. فذكرت له أننى كنت أعلم أن السادة أعضاء مجلسى الشعب والشورى كانوا يتقاضون فى ذلك الوقت، إلى جانب المكافأة المقررة لأعضاء البرلمان، “بدل حضور” عن إجتماعات اللجان وغيرها. وكان سؤالى هل مازال هذا التقليد مستمراً؟ فأكد لى السيد رئيس اللجنة أن النظام ما زال مستمراً بعد إدخال بعض الضوابط عليه. وهنا أبديت ـ كما سبق أن نشرت فى ذلك الوقت ـ إستغرابى لحصول عضو البرلمان على “بدل حضور جلسات” إلى جانب مكافأة العضوية، طالما أن الوظيفة الرئيسية للعضو هى حضور الجلسات؟

وهنا تدخل أحد السادة النواب المحترمين، بالإعتراض على تساؤلى، قائلاً أن الجلسة التى نعقدها مسجلة وتذاع على الهواء، وأن من شأن هذا التساؤل أن يثير الرأى العام على المجلس وأعضائه،وبدأ يوجه لشخصى إنتقاداً، بأننى كنت أحصل على مكافآت كبيرة وأنا عضو فى الحكومة. وهنا تدخل السيد رئيس اللجنة، مذكراً العضو المحترم، أن المتحدث ـ وهو شخصى الضعيف ـ إعتذر عن عدم قبول “بدلات حضور” إجتماعات سواء فى هيئة البترول أو هيئة المعاشات، وأعاد هذه المكافآت إلى خزانة وزارة المالية. أما ما أثار دهشتى فهو أن إعتراض السيد النائب المحترم قد ركز على أن هذا الحوار سوف يذاع على الهواء، وبذلك بدا كما لو كان إعتراضه هو على مبدأ الشفافية. فلم يقدم العضو المحترم تبريرات للحصول على “بدل الحضور”، وإنما أبدى تذمره الشديد من إبداء هذه الملاحظات على نحو مطروح على الرأى العام.

وليس الغرض من هذا المقال، نشر ما حدث فى هذا الإجتماع، فهو مسجل، وأعتقد أنه أذيع على الهواء. ولكن المشكلة التى أود أن أؤكد عليها هى مسألة “الشفافية”. فلا يضير أحد أن يحصل على عائد مقابل ما يقوم به من جهد. ولكن عندما يتعلق الأمر بما يحصل عليه المسئولون مقابل قيامهم بدورهم، فإنه ينبغى أن يكون محل شفافية كاملة. ولا أحد يضار من المسئولين بأن يعلن على الملأ ما يحصل عليه من خزانة الدولة مقابل مسئولياته فى الخدمة العامة. وقد أشرت إلى أننى كنت أرى دائماً أن ضبط التفاوت فى المرتبات والأجور لا يتطلب فقط تحديد الحد الأقصى، بل يحتاج أيضاً إلى الأخذ بمبدأ الشفافية، على ما سبق أن أشرت. ولعله من المناسب أن أذكر السيد النائب المحترم، أن هذه المبادىء لم تكن مجرد أقوال مرسلة، بل أنى أرسلت فى ذلك الوقت خطاباً مفتوحاً لجريدة الوفد ونشر بتاريخ 4 سبتمبر 2011 متضمناً تفاصيل ما حصلت عليه من مرتبات، ولكنى لم أعلن ساعتها إعتذارى عن عدم قبول “بدل حضور” إجتماعات لمجالس الإدارات، ولكن ذكرتها بعد ذلك فى كتابى الذى أصدرته عن تجربة العمل الوزارى.

وليس الهدف من هذا المقال توجيه الإتهام إلى “بدلات الحضور” الإجمالية لأعضاء المجالس التشريعية، بل القضية هى وضع مبدأ “الشفافية” فيما تقدمه الدولة لعمالها من مكافآت وتعويضات موضع التنفيذ. وقد نشرت بعض الصحف أخيراً ما ذكرت أنه مجموع ما يحصل عليه السيد رئيس الجمهورية من مرتبات ومخصصات مما أثار الكثير من التساؤلات. وأعتقد أن المصدر السليم لمعرفة هذه الأمور لا يكون من خلال التحقيقات الصحفية، بل يجب أن يكون هذا النظام ممنهجاً ومنشوراً بشكل رسمى وشفافية كاملة. وهذا ما نراه فى الدول الديمقراطية، حيث تنشر الدولة بشكل كامل تفاصيل ما يحصل عليه كبار رجال الدولة من تعويضات مقابل خدماتهم الكبيرة. وليس فى هذا أى مساس بأهمية أو تقدير شاغل الوظيفة، بل هو إحترام للشعوب التى إختارت ممثليها للقيام بالوظيفة العامة. وعندما يتعلق الأمر بممثلى الشعب فى البرلمان، فإن الأمر يصبح أكثر ضرورة.

أرجو أن تكون مرتبات وبدلات ومخصصات كبار المسئولين معلنة ومنشورة بدءاً بالسيد رئيس الجمهورية ومعاونيه والوزراء، وكذا أعضاء المجالس النيابية والمحلية. فلا أحد يخشى من الشفافية، إذا كان ما يحصل عليه هو المقابل العادل لما يتحمله من مسئولية. “الشفافية” فيما تقدمه الخزانة العامة، خاصة لكبار المسئولين، ليست إهانة لهم بقدر ما هى تقدير لهم وإحترام للشعب الذى دفعهم لتولى هذه المسئوليات. والله أعلم.

المصرى اليوم 8 يونيو 2013

استفسارات عن حالة الطوارئ

استمرت قوانين الطوارئ في مصر لما يقرب من ثلاثين عاماً، وتتداول الأخبار عن الاتجاه نحو تجديدها لسنتين أو ثلاثة قادمة. ومشكلتنا مع الأحكام العُرفية وقوانين الطوارئ لا تتوقف عند الثلاثين عاماً الماضية بل تمتد إلى ما يقرب من سبعين عاماً سابقاً. فقد بدأ فرض الأحكام العُرفية في مصر ـ في العصر الحديث ـ في 1939 عند قيام الحرب العالمية الثانية، واستمرت بعد نهاية الحرب، ولم ترفع إلا في 1950 لإجراء انتخابات جديدة. وفي 26 يناير 1952 وقع حريق القاهرة، وفرضت الأحكام العرفية من جديد، وبعدها بستة أشهر قامت الثورة في يوليو من نفس العام واستمرت هذه الأوضاع بطبيعة الأحوال. ولم ترفع هذه الحالة الاستثنائية إلا لفترة قصيرة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ثم أُعيدت بعد حادث اغتياله، وهي تجدد من يومها وحتى الآن.

ففي خلال السبعين عاماً الماضية لم تنعم مصر بالخضوع للقوانين العادية إلا لفترة لا تتجاوز الأربعة سنوات، وطوال هذه المدة كانت مصر ـ وما تزال ـ خاضعة للأحكام الاستثنائية تحت سلطة الحاكم العسكري وحيث تتوقف الضمانات الدستورية لحماية حقوق المواطن وحرياته الأساسية. وهذا مثال فريد وغريب بين الأُمم، ولا بد له من أسباب مبررة. وهذا هو موضوع مقالنا اليوم. لماذا الطوارئ في مصر طوال هذه المدة؟ وهل بمصر والمصريين شذوذ يبرر هذا الخروج عن المألوف؟

من المفهوم والمقبول أن يتعطل العمل مؤقتاً ببعض أحكام الدستور والقوانين العادية ـ لظروف قاهرة واستثنائية ـ لمصالح عُليا قد تكون مهددةً. ولكن غير المفهوم هو أن تستمر هذه الحالة الاستثنائية لما يقرب من سبعين سنة. فالمعروف أن الدستور هو السياج الأول لحماية حقوق المواطن وحرياته الأساسية، وبالتالي لا يجوز الخروج عليها إلا لضرورة قصوى. كذلك فأن القوانين العادية تنظم كيفية ممارسة هذه الحقوق والحريات في الظروف الطبيعية. ومع ذلك فهناك ـ استثناء ـ ظروف طارئة مثل الحروب والقلاقل والاضطرابات المحلية أو انتشار الأوبئة أو وقوع كوارث طبيعية أو تهديدات عسكرية من جار أو عدو، مما يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة وسريعة لا تتقبلها الأوضاع العادية، أو اتخاذ تدابير احترازية لمنع المخاطر في مثل هذه الظروف الاستثنائية وبما يخرج عن الضمانات الدستورية والقانونية في ظل الأوضاع العادية. لذلك تعرف جميع الدول ـ بلا استثناء ـ مفهوم فرض الأحكام العُرفية أو قوانين الطوارئ أو القوانين الاستثنائية لمواجهة مثل هذه الأوضاع الخطرة وغير العادية والمؤقتة. وهنا يلزم أن يكون الاستثناء مؤقتاً ومرتبطاً بوجود هذه الأوضاع الشاذة. أما استمرار الأحكام الاستثنائية لحوالي سبعين عاماً، فهذا أمر لا سابقة له في التاريخ الحديث بين الدول. ولا بد أن يكون لنا في مصر من الأسباب ما يبرر ذلك، وهو ما يحتاج إلى تفسير وتوضيح.

عندما فرضت الأحكام العُرفية لأول مرة ـ في تاريخنا المعاصر ـ في 1939 كانت هناك حرب عالمية، وكان الاحتلال البريطاني ـ أحد أطراف هذه الحرب ـ في مواجهة مع دول المحور (ألمانيا وإيطاليا). وكانت القوات الإيطالية تستقر في ليبيا على حدود مصر، وبعدها جاء رومل بقواته الألمانية وهدد الجبهة الغربية للبلاد. وبذلك فقد كان من المفهوم أن تفرض الأحكام العرفية من جانب المحتل البريطاني لأسباب متعلقة بأمنه ووجوده على الأراضي المصرية. وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية قتل رئيس الوزراء (أحمد ماهر) وبدأنا المفاوضات لإجلاء البريطانيين مع بداية المقاومة الوطنية. ثم قامت حرب فلسطين 1948 واشتركت فيها القوات المصرية، وكان هناك عدو رابص على الجبهة الشرقية، وقتل رئيس آخر للوزراء (النقراشي). وفي 1950 وقبل إجراء انتخابات جديدة رأت الحكومة القائمة إلغاء الأحكام العُرفية لإجراء الانتخابات في جو من النزاهة. وبالفعل اجريت الانتخابات وأُعيد انتخاب حزب الوفد وشكلت الحكومة الوفدية. وفي 26 يناير 1952 قام حريق القاهرة، وفرضت الأحكام العُرفية من جديد، وبعدها قامت الثورة في يوليو من نفس السنة. وقد كان من الطبيعي أن تؤمن الثورة نفسها، فاستمرت الأحكام العُرفية. ثم بدأت سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية على غزة في 1954 وقامت حرب السويس في 1956، وأخرى في 1967 وبعدها شنت مصر حرباً جديدة للتحرير في 1973. وهكذا استمر الوضع قلقاً على الحدود الشرقية مع حروب مستمرة ومتقطعة. وأخيراً عقد الصلح مع دولة إسرائيل وانتهت حالة الحرب معها وعقد اتفاق للسلام في 1979، وفي السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الراحل السادات تم رفع الأحكام العُرفية. وبعد اغتياله في 1981 أُعيد فرض قانون الطوارئ ـ بعد تغيير اسم الأحكام العُرفية إلى قانون الطوارئ ـ واستمرت حتى يومنا.

 وقد عرفت البلاد في إثر حادث اغتيال السادات موجة من عمليات الإرهاب بالاعتداء على بعض السياسيين أو بتفجير مراكز حيوية لتجمع الناس أو السياح. واستطاعت أجهزة الأمن ـ مع الدعم الشعبي ـ إيقاف عمليات الإرهاب بحيث لم نسمع عن عملية إرهابية منذ عدة سنوات، مع تأكيد متكرر من معظم التنظيمات الإسلامية ـ والتي كانت تدعم بعض هذه العمليات ـ برفضها أسلوب العنف ونبذها لعمليات الإرهاب بكافة أشكالها. وبالفعل نعمت البلاد باستقرار كبير تفاخر به الحكومة ـ وبحق ـ مقارنة بدول أُخرى قريبة وبعيدة عرفت أشكالاً متعددة ومستمرة من الإرهاب وعدم الاستقرار. ومع هذا النجاح كان المتوقع، أن تضع الحكومة حداً لاستمرار أحكام الطوارئ والعودة إلى الأوضاع الطبيعية. ولكن هذا لم يحدث. والسؤال لماذا؟

لا بأس من استمرار هذه الحالة الاستثنائية إذا كان هناك ما يبررها، وهو ما لا يبدو واضحاً. ويقال كثيراً من جانب الحكومة أن قوانين الطوارئ لا تستخدم إلا في مواجهة الإرهاب وتجار المخدرات، بما يفيد ـ ضمناً ـ أن السبب في استمرار العمل بهذا القوانين الاستثنائية، هو مواجهة مشكلتي الإرهاب والمخدرات. وهنا يثور التساؤل، هل هذا كاف، وهل هو مقنع؟

وقبل أن نناقش هاذين الأمرين، فهناك تساؤل شكلي، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لاينص صراحة عند تجديد العمل بقوانين الطوارئ على أن هذه الأحكام الاستثنائية لا تسري إلا في حالات الإرهاب وتجارة المخدرات، وذلك تحت رقابة وإشراف القضاء. وبذلك لا تصبح أحكام قوانين الطوارئ مسلطة على رقاب البشر خارج هاذين المجالين. ربما يؤدي مثل هذا القيد إلى إقناع المواطنين بأن المبرر الذي تسوقه الحكومة لتجديد قوانين الطوارئ، هو مبرر صحيح وصادق وليس إدعاء لفظياً.

ولنعد لمناقشة قضايا الإرهاب والمخدرات ومدى حاجتها إلى قوانين استثنائية. فأما عن الإرهاب فهناك مشكلة أمام الحكومة لتبرير موقفها. لقد مضى على آخر عملية إرهابية كبيرة عدة سنوات، فكيف  يمكن التوفيق بين القول بأننا نواجه مشكلة إرهاب، في حين أن عمليات الإرهاب قد انتهت عملياً ـ فيما يبدو ـ منذ عدة سنوات حتى الآن. وفي خلال السنوات الأخيرة لم تقع عمليات إرهاب كبيرة؛ صحيح أن المريض قد يبدو أنه شفي من المرض ويغادر الفراش، فإذا به ينتكس بعد فترة من جديد. ولكن هل بعد سنوات من الهدوء، وبعد أن أعلنت معظم التنظيمات، التي كانت تؤمن بأساليب العنف أنها نبذت كل هذه الأساليب، وبعد أن رأينا عشرات الكتب ودعاوى المراجعة بل والتوبة، هل ما زلنا نعيش في نفس الظروف؟. فهل ما تزال مخاطر الإرهاب قائمة؟ وإذا كانت سنوات من الهدوء الكامل غير كافية للاطمئنان، فما هي المدة المناسبة في نظر الحكومة للاطمئنان بأن بؤر الإرهاب النائمة لن تعود؟ ألا يوجد حد زمني للاطمئنان؟ نريد إجابة واضحة.

وقضية الإرهاب لم تعد قضية مصرية بحت فهي قضية دولية عامة. فقد واجهتها أمريكا وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا واندونيسيا والهند وغيرها. ولم نسمع أن أياً منهم فرض الأحكام العُرفية أو قوانين الطوارئ. ولنفرض أن هناك فئة ضالة مازالت مؤمنة بفلسفة العنف، فهل من المنطقي والمعقول أن ترهن حقوق وحريات الشعب المصري كله بسبب هذه الفئة المحدودة. ورغم ما ننفقه على أجهزة الأمن من المال والعتاد، هل ما زال جهاز الأمن عاجزاً عن توفير أمن البلاد والمواطنين في ظل احترام الحقوق والحريات الأساسية كما يضمنها الدستور والقوانين العادية؟ ألا تستطيع أجهزة الأمن القيام بوظائفها دون أحكام الطوارئ؟ هذه أسئلة هامة ربما تستحق أيضاً إجابات من الحكومة.

وننتقل الآن إلى قضية المخدرات. يواجه العالم كله ـ وليس مصر وحدها ـ مشكلة المخدرات كما مشاكل غسيل الأموال والفساد وتجارة الرقيق الأبيض وغيرها من مشاكل العصر. ولم نسمع أن دولاً أُخرى تفرض أحكام الطوارئ لمواجهة مثل هذه المشاكل الكبرى التي تعكر صفو الأمن والسلام والاستقرار الاجتماعي. فلماذا مصر وحدها ـ من دون دول العالم ـ هي التي تفرض أحكام الطوارئ لمواجهة هذه المشكلة. قد يصبح الأمر يصبح أكثر استساغة، إذا كانت مصر ـ وحدها دون دول العالم ـ قد نجحت في القضاء على ظاهرة المخدرات بسبب نهجها المتميز باستخدام قوانين الطوارئ لمواجهة هذه المشكلة. ففي هذه الحالة كان يمكن أن نقول، أُنظر لقد نجحنا ـ وحدنا ـ في تطهير البلاد من المخدرات بفضل سياستنا ـ غير التقليدية ـ في مواجهة مشكلة المخدرات، وذلك لأننا وحدنا استخدمنا قوانين الطوارئ. ربما لو حدث ذلك لكانت حجتنا أكثر إقناعاً، ولأصبح العلاج المصري لمشكلة المخدرات ـ بقوانين الطوارئ ـ اختراعاً محلياً يجب تعميمه على الدول الأُخرى. للأسف لم ينجح هذا العلاج المصري. فالمخدرات ما زالت مشكلة قائمة في مصر مع قوانين الطوارئ وبغيرها. وهناك من يدعي أن مشكلة المخدرات قد تفاقمت وتعمقت في مصر بل وأصبح عدد من روادها يشغلون مقاعد في المجالس النيابية. وإذا أخبرنا وزير الداخلية غداً، بأن هذا ليس صحيحاً، فقد نجحت قوانين الطوارئ في القضاء على المخدرات في مصر، لصفقنا له شاكرين. وإن كنا سوف نطلب منه في هذه الحالة إلغاء حالة الطوارئ ما دامت المشكلة قد حلت. أما إذا ابلغنا أن المشكلة ما تزال قائمة رغم قوانين الطوارئ. فإننا نتساءل إذا اتبع المريض العلاج واستخدم الدواء الموصوف لأكثر من ثلاثين عاماً دون القضاء على المرض، أليس من الطبيعي أن يتساءل المرء عن جدوى الدواء و ربما ظهرت الحاجة إلى تغييره، إن لم يكن تغيير الطبيب نفسه!

مشكلة قوانين الطوارئ مع دعاوى مكافحة الإرهاب والمخدرات هو أنها غير مقنعة. هناك مشكلة منطقية. فإذا كان الإدعاء صحيحاً وأن هذه القوانين ضرورية للقضاء على الإرهاب والمخدرات ونجحت في ذلك في الثلاثين عاماً الماضية، فإننا لن نكون في حاجة إلى هذه القوانين الآن لنجاحها في أداء وظائفها. أما إذا فشلت هذه القوانين في العلاج بعد هذه الفترة الطويلة، فإننا لسنا في حاجة لدواء ثبت عدم جواه، والأولى أن نفتش عن أساليب أُخرى للعلاج.

استمرار قوانين الطوارئ في مصر لما يقرب من ثلاثين عاماً في هذه الموجة الثانية وبعد أكثر من ثلاثين سنة سابقة منذ بداية الحرب العالمية الثانية، وصمة عار ينبغي العمل على إصلاحها. وقد وعد الرئيس مبارك بإلغاء حالة الطوارئ، وحان الوقت للوفاء بالوعد.     والله أعلم

المصري اليوم: 1 أبريل 2010

المسؤولية التاريخية للجيش

في حديث هام للأستاذ محمد حسنين هيكل نشر في هذه الجريدة بتاريخ 6 فبراير 2011 أكد على أحد أهم الحقائق على الساحة المصرية الآن، وهو الدور المحوري الذي يلعبه الجيش المصري في هذه اللحظة المصيرية.

ففي مواجهة أخطر أزمة سياسية تتعرض لها البلاد منذ أكثر من نصف قرن، فإن القوة الوحيدة المتماسكة هي الجيش المصري، الذي يسيطر فعلياً على البلاد. فالجيش موجود في الشارع، وهو يتحمل مسئولية حماية الأمن والاستقرار، كما أنه يتمتع ـ ربما وحده ـ بدرجة عالية من ثقة الشعب، كما يلقى تأييداً من المجتمع الدولي. وعلى حين استمر الجيش على تماسكه وتمتعه بثقة الناس واحترامهم، فإن سلطة الشرطة وأجهزة الأمن الداخلي قد فقدت الكثير من توازنها في الشارع سواء نتيجة للاستخدام المفرط للقوة في مواجهة الجماهير أو بتخليها عن دورها وانسحابها شبه الكامل من مواقعها مما عرض الأمن والاستقرار لكثير من الاضطراب. وفي مواجهة تلك المؤسسة الوحيدة (الجيش) التي يتوافر لها القوة المادية مع دعم معنوي كبير من ثقة الشعب، فإن باقي مؤسسات الدولة وعناصرها في حالة قلق واضطراب. فالملايين من أبناء الشعب يتظاهرون في شوارع العديد من المدن المصرية للمطالبة بإسقاط النظام ورحيل الرئيس. ومن ناحيته يعترف الرئيس ونائبه بمشروعية المطالب الجماهيرية، ويتعهد بعدم الترشيح لفترة قادمة وقبول تعديل الدستور كما يشكل حكومة جديدة ويعين نائباً له. ويتضح من كل ما تقدم أن الجيش ـ في الظرف القائم ـ هو المؤسسة الوحيدة على أرض الواقع التي تملك القوة المادية والمعنوية لحماية سلامة الوطن. فالجيش هو الآن ـ من الناحية الفعلية ـ اللاعب الرئيسي على الساحة، وهو يستمد مشروعيته من الواقع القائم فضلاً عن الرصيد المعنوي لثقة الشعب في قواته المسلحة. وهكذا ولد واقع جديد يجعل من الجيش المسئول تاريخياً عن مسار التطور في هذه اللحظة، وعلى الجيش أن يتحمل هذه المسئولية ويتصرف على أساسها.

أما النظام الدستوري القائم فقد سقط ـ فعلياً ـ نتيجة للتطورات على أرض الواقع. لقد انتهى النظام عملاً، والمطلوب هو وضع إطار قانوني جديد للنظام القادم. فنحن بصدد نظام انتهى وآخر يتخلق، أحدهما في انتظار الانتهاء من مراسم الوفاة والآخر يستعد لميلاد جديد.

وهكذا فقد بدأت فعلاً مرحلة الانتقال. وفي هذه اللحظة فإن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الجيش وذلك بالبدء في عملية الانتقال السلمي إلى النظام الجديد المأمول.

ونقطة البدء هي ضرورة تشكيل حكومة جديدة تتمتع بثقة الشارع. فالحكومة الحالية هي استمرار واستنساخ للحكومات السابقة والتي قامت الثورة الشعبية في مواجهتها. فأعضاء هذه الحكومة هم من أعضاء الحزب الوطني، الذي بدأ يتفسخ، أو من المرتبطين به أو المحسوبين عليه. وهذه الحكومة هي استمرار للنظام القديم، وهي ترى أن كل إصلاح مطلوب هو تنازل عن مكتسبات قديمة لاتتم إلا بالمساومة، في حين أن المطلوب هو حكومة مقتنعة “بالتغيير”، وترى فيه هدفاً وليس تنازلاً.

وفي أول حديث لرئيس الحكومة عن الأوضاع أظهر تبسيطاً أو تسطيحاً مذهلاً للأحداث الجارية. فهو يرى أن مطالب الجماهير قد “تحققت” أو على الأقل أن أغلبها قد “تتحقق”، رغم أن الدستور القديم مازال قائماً، والرئيس الحالي في موقعه، وقانون الطوارئ على حاله، والقيود على الأحزاب السياسية دون تغيير. وبلغ به التبسيط للأمور بأنه لايمانع من أن تستمر المظاهرات في “ميدان التحرير”، “كهايدبارك” في لندن. وهي نفس النغمة التي عبر بها الرئيس مبارك، في مناسبة سابقة، عن احتجاجات المعارضة بقوله “خليهم يتسلوا”. فهل هذه حكومة تقدر حجم ما يحدث على أرض مصر والذي اهتزت من ورائه دول العالم، لكي يختصرها رئيس الحكومة بأنها “هايدبارك”؟ ألايدرك ما وراءها من مطالبات؟ وكل هذا بعد تضحية مئات من الشهداء وآلاف من المصابين! هل هذا معقول؟

الواقع القائم هو أن الجيش هو السلطة الفعلية على الأرض، وعليه أن يتحمل المسئولية التاريخية دون خوف أو تردد. حقاً، لم يتخلق النظام الجديد بعد، ولكن الأكيد هو أن “النظام القديم” هو فعل ماضي، ونحن الآن في مرحلة المخاض لميلاد “نظام جديد”. وعلى الجيش أن يتخذ الإجراءات اللازمة لكي يتحقق ذلك بأكبر قدر من المصداقية والتوافق الجماهيري مع تقليل الخسائر المحتملة. هناك خسائر في الأرواح والممتلكات كما يخسر الاقتصاد يومياً خسائر باهظة. والمطلوب هو بداية التحرك ويبدأ هذا بتشكيل حكومة جديدة تتمتع بالقبول الشعبي، وأن تحاط بكافة الضمانات لتحقيق احترام حكم القانون وحقوق الأفراد من هيئة قضائية مستقلة، وذلك تمهيداً للانتقال السلمي إلى “نظام جديد” في مستقبل غير بعيد. ولاتستطيع القوات المسلحة أن تتهرب من مسئوليتها التاريخية فهذا قدرها، وهو ما ينتظره الشعب المصري الأصيل.

وليس معنى ذلك أن الشعب يريد حكماً عسكرياً، بل الصحيح أنه يطمح إلى حكم مدني يتمتع فيه الجميع بنفس الحقوق والواجبات، مع تداول للسلطة ورقابة شعبية. ولكنها لحظة استثنائية تتطلب تدخلاً للقوات المسلحة باعتبارها السلطة الفعلية على الأرض بعد أن فقدت السلطة السياسية ثقتها في نفسها وثقة الشعب فيها. والله أعلم

المصرى اليوم 9 فبراير 2012

بين الأخلاق والقانون

نشرت في هذه الجريدة بتاريخ 15 أبريل 2011، مقالاً عن ” العدالة الخاصة ومفهوم الدولة” بمناسبة قيام أحد الأفراد بتوقيع عقوبة جسدية على آخر لمزاولته ما اعتبره خروجاً على القواعد الأخلاقية والدينية. وقد حاولت أن أُوضح في ذلك المقال خطورة الالتجاء إلى “العدالة الخاصة” حيث يقوم بعض المواطنين بتنفيذ ما يعتقدون أنه تطبيقاً للعدالة، سواء باسم الدين أو غير ذلك من القيم الأخلاقية أو العقائدية. وكان الغرض من ذلك المقال هو التأكيد على أن العدالة هي من حقوق المجتمع وواجباته في نفس الوقت والتي لا يجوز التخلي عنها للأفراد، ليقوم كل منهم بفرض عدالته الخاصة. ولذلك فليس لأحد أن ينتزع هذا الحق المجتمعي لنفسه تحت أي غطاء أو إدعاء. فمثل هذه الدعاوي قد تبدأ بدافع الحرص على الفضيلة أو القيم العليا، ولكنها تنتهي إلى تعريض المجتمع إلى الفوضى وانعدام “العدالة” نفسها.

كذلك أوضحت في ذلك المقال أن “العدالة” في مضمونها الاجتماعي والوضعي هي احترام القوانين حيث يصبح تحقيق “العدالة” بهذا المعنى هو المسئولية الأساسية للدولة ومبرر وجودها. ولا تملك الدولة التنازل لبعض الأفراد عن هذا الحق، بتركهم يقومون ـ دون تفويض قانوني ـ بتنفيذ “عدالتهم الخاصة”. فالقانون التعبير العملي لمفهوم العدالة المعاصر. وإذا تصادف أن كان القانون القائم غير معبر عن العدالة كما هو في ضمير الجماعة، فإن الطريق إلى الإصلاح هو تعديل أو تغير هذا القانون وليس الخروج عليه.

وإذا كنت قد طرحت في ذلك المقال علاقة “العدالة الخاصة” بمفهوم الدولة، فإن هذا الموضوع يطرح في الواقع قضية أكبر وهي العلاقة بين الأخلاق والقانون. فما هو دور الأخلاق في المجتمع، وهل يكفي القانون وحده لحماية المجتمعات وتقدمها، أم أن للأخلاق دوراً مكملاً وضرورياً؟ وما هي الفواصل والحدود بين الأمرين؟ وهل هناك مصلحة في تطابق القانون مع الأخلاق، أم أنه مع ضرورة مراعاة القانون للضوابط الأخلاقية، فمن المصلحة أن يظل للأخلاق مجال مستقل إلى جانب القانون؟ كل هذه أسئلة هامة تستحق الاهتمام.

درسنا في كلية الحقوق العلاقة بين القانون والأخلاق كأحد القضايا الأساسية لفهم معنى القانون. فالعلاقة بين الأمرين وثيقة ومركبة. وربما ولد مفهوم القانون نفسه من رحم الأخلاق، وذلك قبل أن يتطور ويكتسب لنفسه بعض الاستقلال وإن ظل وثيق الصلة بالأخلاق. فلا يمكن أن يكون القانون غير أخلاقي أو معادياً للأخلاق أو داعياً للرذيلة، وإن كان يمكن أن يكون محايداً ومنظماً لعلاقات اجتماعية لا صلة لها بالأخلاق. كذلك فإن القانون لا يعمل وحده في المجتمع وإنما هناك الأخلاق إلى جانبه، ولكل منها مجال. كيف؟

يهدف كل من القانون والأخلاق إلى وضع ضوابط على السلوك الاجتماعي للأفراد وذلك بضمان عدم تعريض حقوق ومصالح ومشاعر الآخرين للإيذاء أو الإضرار. وإذا كانت “الأخلاق” مثالية الهدف، فإن “القانون” واقعي النزعة يبحث عن تحقيق الممكن وليس بالضرورة المثالي. والفارق بين القانون والأخلاق ـ كما انتهى إليه التطور التاريخي للمجتمعات ـ هو أن مخالفة القانون تتضمن توقيع جزاء مادي على المخالف من جانب الدولة أو السلطة، في حين أن مخالفة قواعد الأخلاق تستند إلى جزاء معنوي في شكل ازدراء المجتمع مع ما يترتب عليه من شعور بالخزي والعار لدى الفاعل إزاء نفسه وفي مواجهة أفراد المجتمع من الأسرة أو القبيلة أو الحي والأصدقاء والمعارف. كذلك فإنه نظراً لأن القانون يطبق من جانب السلطة، فإنه لا يتعرض ـ عادة ـ للنوايا والأحاسيس الداخلية ويهتم فقط بما يظهر من أفعال أو امتناع عندما يلزم القيام بها. أما الأخلاق فإنها تعنى بالأفعال الخارجية كما تهتم بالنوايا والمقاصد الداخلية. فالإنسان يشعر بالذنب لمجرد النوايا السيئة أو المشاعر غير الكريمة.

وهكذا يتضح أن الفارق الرئيسي بين القانون والأخلاق، هو أن الأول هو وسيلة المجتمع من خلال سلطته السياسية لضبط استقرار وتقدم المجتمعات، في حين أن الأخلاق هي تعبير عن ضرورة احترام القيم السائدة في المجتمع وما استقر عليه الضمير العام من عادات وتقاليد. فالقانون هو “أداة” السلطة في الحكم لتحقيق الاستقرار والتقدم، وهي تقوم على تنفيذ وضمان احترامه وتعريض المخالف للجزاء. أما الأخلاق فهي تعبير عن القيم والتقاليد التي استقرت في ضمير الجماعة واللازمة للوصول إلى الفرد المثالي وتحقيق المجتمع الصالح، ومخالفة هذه القواعد تعرض صاحبها لازدراء الجماعة وسخطها. وفي الجماعات البدائية يختلط القانون بالأخلاق.

بدأ ظهور القانون، وتميزه عن الأخلاق، عندما بدأت تتبلور السلطة السياسية داخل الجماعة في شكل شيوخ أو حكماء الجماعة الذين يتولون فرض احترام القواعد الأخلاقية السائدة فيها، مع توقيع الجزاء على المخالف. وقد ظهر مفهوم القانون، أول الأمر، باعتباره نوعاً من العرف الأخلاقي السائد والمقبول. وبذلك بدأ ظهور القانون كجزء من الأخلاق كما تمثلها الأعراف والتقاليد السائدة. وبذلك بدأ القانون على شكل تقنين لأعراف مستقرة ومقبولة. وبعد فترة من استقرار سلطة الحكم في الجماعة، بدأت تتميز طبقة الحكام الذين لا يكتفون بتطبيق الأعراف الموروثة بل يصدرون الأوامر الواجبة الاحترام شأنها في ذلك شأن قواعد العرف المستقرة. وبذلك بدأت أوامر الحاكم تأخذ حكم التقاليد والأعراف في ضرورة الخضوع لها. ومن هنا أصبح القانون أيضاً هو أمر الحاكم.

ومع ظهور الدولة الحديثة، وخاصة مع تطور المجتمعات الصناعية، لم يعد من الممكن الاقتصار على العادات والتقاليد لمواجهة احتياجات الحياة في ظل سرعة التطورات وتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية. وبذلك ظهرت الحاجة إلى ضرورة التنظيم للأوضاع الجديدة عن طريق الأوامر والتشريعات. وأخيراً جاءت الثورات الشعبية التي تطالب بالحكم من خلال ممثيلين للشعب في المجالس البرلمانية وحيث تصدر القوانين من خلال التشريع من هذه المجالس المنتخبة.

وهكذا بدأ القانون يستقل عن قواعد العرف والعادات ولم يعد ملحقاً بها، وإنما أصبح أداة الحكم في تنفيذ سياساته، كما أصبح التشريع هو المصدر الرئيسي للقانون. ومع هذا التطور في شكل القانون، فقد استمر المجتمع من خلال الأخلاق في القيام بدوره الأصيل باعتباره الأمين على المثل العليا والقيم السامية.

والآن وبعد هذا التطور، يثور التساؤل عن العلاقة بين الأخلاق والقانون، فهل يتطابقان؟ وهل يقومان بنفس الوظائف أم أن لكل منهما وظائف مختلفة؟ وإذا كانت هذه الوظائف مختلفة، فهل هي متعارضة أم متكاملة؟

فأما من حيث النطاق، فإن نطاق القانون أضيق أحياناً وأوسع أحياناً أخرى من نطاق الأخلاق. فرغم أن كلاً من القانون والأخلاق يسعيان إلى تحقيق السلوك السليم في المجتمع، فإن القانون لا يعنى بكل مظاهر السلوك السليم ويقتصر فقط على الأمور ذات العلاقة بالمجتمع التي يمكن أن تعكر الاستقرار والتقدم الاجتماعي. كذلك فإن القانون وهو يهدف إلى حماية الحريات العامة فإنه يحرص على حماية حرمة الحياة الخاصة للفرد طالما لا يترتب عليها إزعاج للآخرين. أما الأخلاق فإنها تهتم بكل ما يتعلق بالسلوك السليم، وسواء تعلق بحياته الخاصة أو بعلاقاته مع الآخرين، فالأخلاق تتعلق بكل ما يصدر عن الفرد من تصرفات أو حتى أحاسيس. ورغم أن الكذب مثلاً هو أصل كل الآفات الاجتماعية، فإن القانون لا يجرم الكذب بشكل عام، وإنما فقط في الأحوال التي يترتب عليها أضرار واضحة على المجتمع، كما في حالة التزوير أو الإدلاء ببيانات كاذبة أمام السلطات العامة وغير ذلك مما ينطوي على مخاطر تعرض مصالح الجميع لأضرار. أما الكذب الصغير، كإدعاء المرض أو إبداء عذر عائلي كاذب لعدم الوفاء بوعد أو عهد، فهذه مخالفة أخلاقية وإن لم تكن مخالفة قانونية. والسبب في هذا الاختلاف بين موقف القانون وموقف الأخلاق تجاه مثل هذه المخالفات، هو اختلاف دور القانون عن دور الأخلاق في المجتمع. فالهدف من القانون هو تحقيق مصلحة المجتمع مع احترام خصوصية الحياة الداخلية للأفراد وحرياتهم الشخصية. فهدف القانون هدف اجتماعي منفعي بحت يقارن بين المكاسب بالخسائر الاجتماعية. أما الأخلاق فإنها لا تقتصر على تحقيق المصالح الاجتماعية ولكنها تسعى إلى الارتقاء بالفرد وتطهيره من كافة الآثام، وذلك بالسعي للوصول إلى الإنسان المثالي والمجتمع الفاضل. فهدف القانون هو تحقيق مصالح المجتمع، أما الأخلاق فهدفها الارتقاء إلى الإنسان الصالح. ولك أن تتصور كيف تصبح الحياة عسيرة إذا تدخل القانون بفرض عقوبة على كل كذبه مهما صغرت. فتعاتب صديقك على عدم حضوره في موعد اتفق عليه، فيدعي بأنه كان مريضاً أو أنه أرسل لك اعتذاراً. وتعرف أنه كاذب فتتجاوز عن مغالطته، وإن فقد لديك جزءاً من الاحترام. هذا هو الموقف القانوني. ولكن تصور ما يحدث إذا تدخل القانون بتجريم هذا الفعل؟ فإذا بك في هذه الحالة تطلب الشرطة والنيابة للتحقيق في صحة إدعائه. هذا يجعل الحياة بالغة الصعوبة. ولذلك فلم يكن غريباً أن جميع الأديان السماوية، وهي تنهى كلها عن الكذب وتعتبره أسوأ النقائص، فإنها كلها لم تضع جزاء دينوياً على الكذب كما القتل أو السرقة أو الزنا، وذلك لاعتبارات عملية. فجزاء الكذب عادة، هو جزاء ديني وأخلاقي. وهكذا فإن القانون لا يسعى إلى تحقيق المجتمع المثالي، وإنما فقط المجتمع القابل للحياة والتقدم وإن لم يكن مثالياً. وهنا يأتي دور الأخلاق لتربية النشء والأجيال الجديدة على مكارم الخُلق، فالمجتمعات لا ترقى إلا بالمثل العليا للأفراد. وهذه هي وظيفة الأخلاق، وهي تهذيب الفرد والارتقاء به. والجزاء الأخلاقي هو جزاء اجتماعي بامتعاض المجتمع وازدرائه. وليس هناك أسوأ من ازدراء المجتمع واحتقاره للسلوك غير الأخلاقي. ولذلك فإن اقتصار القانون على بعض الجوانب الأخلاقية ذات النتائج الاجتماعية الضارة دون غيرها ليس تبريراً للسلوك غير الأخلاقي، وإنما هو اعتراف بأن دور الأخلاق ومسئولية المجتمع في هذه الأحوال أكثر فاعلية. فالقانون هو أداة السلطة لضمان استمرار المجتمع وتقدمه، أما الأخلاق فإنها أداة المجتمع للارتقاء بالإنسان والاقتراب من المجتمع المثالي.

وإذا كان مجال القانون يتلاقى مع مجال الأخلاق في العديد من مظاهر السلوك الاجتماعي، فإن للقانون مجالات أُخرى هامة في المجتمع لا تعرفها الأخلاق. فالقانون ينظم الحياة الاقتصادية والسياسية للمجتمع، وهو يضع قواعد للمرور بالسير على اليمين لتنظيم عملية المرور دون أن يمكن القول بأن السير على اليمين أكثر أخلاقية من السير على اليسار. ولكن المطلوب هو أن توضع قواعد مقبولة ومحترمة من الجميع للسير. وبالمثل ينظم القانون ممارسة المهن وتنظيم التعامل في الأوراق الرسمية أو شكل المستندات القانونية أو مباشرة النشاط الاقتصادي أو أسلوب إدارة المؤسسات أو اختصاصاتها، وهكذا. وهذه كلها أمور ضرورية لتقدم الحياة المدنية دون أن تكون لها صلة مباشرة بالأخلاق.

لا غنى لأي مجتمع سليم عن القانون والأخلاق معاً، وليس أحدهما بديلاً عن الآخر، كما لا يمكن الاستغناء عن أيهما. فالقانون تضعه الدولة وترعاه لسلامة المجتمع، في حين أن الأخلاق هي وظيفة المجتمع ومسؤوليته لرقي الفرد وسموه. وظاهرة “العدالة الخاصة” لا تعدو أن تكون محاولة من بعض الأفراد لفرض وصاية الأخلاق على القانون. وبالمثل فإنه يخشى أن تؤدي المطابقة بين القانون والأخلاق إلى إهدار لوظيفة كل منهما، وبما يهدد بإفسادهما معاً. والله أعلم

المصرى اليوم 7 يونيو 2011

محاكمة مبارك من منظور تاريخي

تنتابنى، مثلى مثل العديد من المصريين، مشاعر متناقضة إزاء أخبار التحقيق مع الرئيس السابق مبارك وقرار حبسه. فهناك إحساس دفين بأنه لا يصح فى النهاية إلا الصحيح، وأن الله يمهل ولا يهمل. ولكنَّ هناك شعوراً آخر مناقضاً بأنه لا يجوز التساهل مع مخاطر الانزلاق لمشاعر الشماتة والتشفى مع إنسان يمر بمحنة إنسانية قاسية وربما الحل الأنسب هو أن يطبق عليه القانون بكل صرامة دون إفراط أو تفريط، فيعامل بحزم- كما يعامل الجميع- ويعطى من الحقوق ما يتمتع به المواطن من حقوق، وأنه برىء حتى تثبت إدانته.

ولكن إلى جانب هذه المشاعر النفسية المتناقضة، فإن هناك اعتباراً آخر أكثر أهمية وهو أن محاكمة مبارك بعد ثورة شعبية فريدة، يمثل مطلباً تاريخياً لمستقبل الحياة السياسية فى مصر وربما فى العالم العربى، وفى هذا الصدد فإن آلام فرد مهما بلغت قسوتها لا تتناسب مع أهمية الدور التاريخى لمثل هذه المحاكمة. إن محاكمة مبارك فى هذا السياق التاريخى ليست محاكمة لفرد مهما بلغت أخطاؤه أو كانت قيمته، ولكنها محاكمة لمفاهيم عتيقة آن لها أن تختفى فالانطباع السائد هو أن الحاكم فى منطقتنا وفى مصر خصوصاً هو فرعون فوق البشر وأنه يملك البلاد والعباد، وقد آن الأوان للقضاء على هذه الرواسب التاريخية البائدة.

 المحاكمة فى المنظور التاريخى الأوسع ليست محاكمة شخصية بقدر ما هى محاكمة لمفهوم الحكم الاستبدادى المطلق. لعلنا نتذكر أن تحقيق الديمقراطية فى الدول الأوروبية التى سبقتنا لم تكن فقط نتيجة أفكار أو مقولات قدمها الفلاسفة والمفكرون أو نتيجة لثورات وانتفاضات شعبية، بل كان لها قرابين قدمت على مذابح التاريخ لتؤكد للحكام التالين أن حقوق الشعوب لا تستباح، وأن ثمن انتهاك هذه الحقوق هو ثمن باهظ.

يقال عادة إن الديمقراطية المعاصرة ولدت فى الغرب خاصة فى إنجلترا وفرنسا، وتجربة هذين البلدين مع الديمقراطية تثبت أن ثمن الديمقراطية غالٍ، وإذا كانت الشعوب قد دفعت نصيبها من هذا الثمن بما تحملته من مظاهر القهر والظلم وما قامت به من انتفاضات وما خلفته من ضحايا وخسائر، فإن الحكام أيضاً قدموا قرابين رمزية لهذه النهضة الديمقراطية، فلم تتحقق الديمقراطية الإنجليزية أو الفرنسية نتيجة لدماء الشعوب وكفاحها وحدها. ولكن إعدام شارل الأول ملك إنجلترا ثم صعود لويس السادس عشر إلى المقصلة كان الدرس الأساسى لكل حاكم لاحق عليهما.

الديمقراطية ليست ممارسة للشعوب وحدها بل هى فى الدرجة الأولى درس للحكام، والحكام فى حاجة دائمة للتذكير بأمثلة ملموسة بأن انتهاك حقوق الشعوب لا يمر بلا ثمن يدفعه الحكام وإن بعد حين. لم يكن شارل الأول أسوأ حكام إنجلترا كما أن لويس السادس عشر كان أطيب ملوك البوربون، وربما أكثرهم رقة، ولكن هل كان إعدام شارل الأول فى إنجلترا أو لويس السادس عشر فى فرنسا خطأ تاريخياً؟

الحقيقة هى عكس ذلك تماماً فهذا الإعدام أو ذاك لم يكن فقط لشخص شارل أو لويس، وإنما كان إعداماً لفكرة تدعى بأن الملك سيد لشعبه وليس خادماً له، ومع إعدامهما استقر تاريخياً أن الحاكم مهما ارتفعت قامته ما هو إلا خادم لأمته يرتفع شأنه بقدر ما يخلص فى خدمة هذه الأمة. لقد كان إعدام هذين الملكين المصل أو اللقاح الذى حصن الشعبين الإنجليزى والفرنسى خاصة ملوكهما وحكامهما بأن الشعب هو السيد وأن من يتجاهل هذه الحقيقة سوف يدفع الثمن.

إذا كانت محاكمة مبارك ضرورة، فليس معنى ذلك المطالبة بالحكم عليه، فالحكم عليه يتوقف على مدى توافر أدلة على مخالفته القوانين، ومن الضرورى أن تتم هذه المحاكمة بأكبر قدر من مراعاة القانون واحترام حقوق المواطن، وأن يتوافر لها كل ضمانات المحاكمة العادلة، فمحاكمة مبارك يجب أن تكون نموذجاً للعدالة واحترام القانون وليس فرصة للتشفى، هذه محاكمة لفكرة أكثر منها محاكمة لشخص، إنها تأكيد على أن الحاكم لا يعلو على القانون وليست له حقوق أكثر من أى فرد آخر وأيضاً ليست له حقوق أقل.

أياً كانت مشاعرنا الشخصية إزاء مبارك، فإننى أعتقد أن محاكمته ضرورة تاريخية لمستقبل الحكم فى مصر، ودرس لحكام مصر القادمين، ولا مفر من هذه المحاكمة إذا أردنا أن تكون ثورتنا درساً للحكام، فهم أحوج للدروس، أما الشعوب فإنها تعرف حقوقها، والله أعلم

المصرى اليوم 19 ابريل 2011